داعيتهم أيضا وجهوه غير مرة إلى ناحية فارس والأهواز لدعاء الناس ، وكان قيام القرمطي بالقطيف .
وكان ابتداء أمرهم أن رجلا منهم قدم إلى « 1 » سواد الكوفة من ناحية خوزستان ، فأقام بموضع يعرف بالنهرين يظهر الزهد والتقشف ويأكل من كسبه ويكثر الصلاة ، ويبتاع كل ليلة من عمل يده رطل تمر يفطر عليه ، وإذا قعد إليه إنسان ذاكره أمر الدين وزهده في الدنيا ، وأعلمه أن المفروض على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة حتى فشا ذلك عنه ، ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام عدل من أهل بيت الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلم يزل على ذلك يقصد إليه الجماعة بعد الجماعة والفوج من الناس بعد الفوج ، فيخبرهم بما يعلق بقلوبهم إلى أن أجابه أهل تلك الناحية وما والاها ، واتخذ منهم اثني عشر نقيبا ، أمرهم أن يدعوا الناس إلى دينه ، وقال لهم : أنتم كحواريي عيسى ، فاشتغل أكثر أهل ذلك الصقع عن أعمالهم بما رسمه لهم من الخمسين صلاة ، وكانت للهيصم « 2 » في تلك الناحية ضياع أنكر تقصير الأكرة فيها وفي عمارتها ، فأعلم أن ذلك من أجل اشتغالهم بالصلاة عن أعمالهم ، فوجّه الهيصم في طلبه حتى أتي به إليه ، فسأله عن أمره ، فأخبره بمذهبه ، فآلى ليقتلنه ، ثم أمر بحبسه في بيت من بيوت الدار وأقفل عليه ووضع المفتاح تحت وساده وتشاغل بالشراب عنه ، وكانت جارية من جواريه سمعت يمينه ليقتلنه فرقّت له ، فلما نام الهيصم أخذت المفتاح ففتحت عنه القفل وأرسلته ثم ردت المفتاح تحت الوسادة ، فلما أصبح الهيصم أخذ المفتاح ففتح الباب فلم يجد أحدا ، فشاع خبر القرمطي وازداد أهل الناحية به فتنة ، وزعموا أنه رفع ثم ظهر في مكان آخر ولقي جماعة من أصحابه وغيرهم ، وزعم أن أحدا لا يقدر عليه بسوء ، فعظم في أعينهم ثم خاف على نفسه فخرج إلى الشام وتسمى كرميتة .
وذكر ان ابتداء أمرهم ان رجلا كان يعرف بيحيى [ بن المعلى صدر من ناحية الكوفة إلى القطيف فنزل على رجل يعرف بعلي ] « 3 » ابن المعلى بن حمدان كان يترفض [ و ] أظهر أنه رسول المهدي المنتظر وذلك سنة إحدى وثمانين ومائتين ، وأنه خرج يتبع شيعته في البلاد ويدعوهم إلى المسارعة في أمره وأن خروجه قد قرب ، وأظهر كتابا زعم أنه من المهدي ، وكان في من أجابه أبو سعيد الجنابي من جزيرة جنابا ، كان يبيع الطعام بالزرادة ، كما قلنا ، ويحسب لهم حسابهم ، ولا يعرف من كتاب اللّه ولا سنة نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم حرفا ، وكان قميئا قبيحا ، وكان بالزرادة رجل يعرف بإبراهيم الصائغ ، كان داعية لهم ، وجهزه غير مرة إلى ناحية فارس والأهواز لدعاء الناس ، قال ابن أبي الطاهر : فجاءني يوما وقال لي :
اعلم أن هؤلاء القوم على ضلال ، كنت أمس مع أبي سعيد الجنابي وقد قدم عليه رجل من أهل جنابا فأكلنا عنده ، فلما فرغ قام فأخرج امرأته ثم أدخلها مع يحيى في بيت وقال لها : إذا أرادك الوليّ فلا تمنعيه نفسك فإنه أحق بك مني .
قال أبو علي [ عريب بن سعيد ] : وكان قيام القرمطي سنة سبع وثمانين ومائتين بدخول أبي سعيد القرمطي هجر بعد حصار أربع سنين ، فوصل إلى قوم هلكى ضرا وهزلا بعد أن كان الوباء وقع فيهم فمات منهم خلق كثير ، فقتل منهم القرمطي ثلاثمائة ألف وطرحهم أحياء في النار ، ونجا قليل منهم إلى جزيرة أوال ، ولم يبق من أهل هجر يومئذ إلا عشرون رجلا ، وسار جماعة من أصحاب الجنابي إلى حصن يقال له الفلج بينه وبين هجر ستة أيام ، وبين هذا الحصن وبين مكة سبعة أيام . وقال قتادة : إن أصحاب الرس الذين ذكرهم اللّه تعالى في كتابه كانوا أهل فلج .
زرنج
« 4 » : هي المدينة العظمى من بلاد سجستان ، وهي كبيرة عامرة الأسواق ، وأسواقها دائرة بالمسجد الجامع ، ولها أرباض عامرة ، وفي كل مكان منها أسواق على غاية العمارة ، ولها سور حصين وخندق دائر بالحصن الذي بها ، ولها على أرباضها حصون وخنادق ، وفي الخندق المستدير بسور الحصن ماء نابع ينبع من مكانه ويقع فيه جمل من فضول المياه التي في المدينة ، وللمدينة خمسة أبواب ، وللربض ثلاثة عشر بابا ، وبناؤها بالطين آزاجا معقودة لأن الخشب بها يسوّس فلا يقيم ، ومسجدها الجامع في المدينة دون الربض ، وفي داخل المدينة ثلاثة أنهار تدخل على أبوابها وهي كلها صغار مفرقة في دور المدينة وبساتينها وحمّاماتها ، وأرض زرنج سبخة رملية في سهل متصل لا يرى فيه شيء من الجبال ، وهي حارة لا يقع فيها ثلج ، وأكثر ما بها الرياح العواصف
هامش
( 1 ) ص ع والبكري : من .
( 2 ) ص ع : للمعتصم ، وترد « الهيضم » أحيانا عند البكري .
( 3 ) زيادة من البكري .
( 4 ) ص ع : زرمخ ؛ نزهة المشتاق : 136 ، وقارن باليعقوبي : 281 ، والكرخي : 139 .
وابن حوقل : 349 ، والمقدسي : 305 ، وياقوت ( زرنج ) .