عدله من الأقسام الأخرى ، وهي المقدر والمقيد ، إذ المقدر والمقيد لا شيء على التحقيق .
ويترتب على ذلك أن يتوب الإنسان عن إثبات البعدية أو المعية أو القبلية لله بالنسبة للأشياء ، لأن وجود هذه الأشياء هو عين وجود الله ، ثم ينبغي أن تقطع الإشارة أيضاً ، لأنها تشعر بالاثنينية بين المشير والمشار إليه ، فلا يبقى إلا الحق المحض .
وخلاصة القول : أن الله فيما يرى ابن سبعين هو الوجود المطلق الحاوي للوجود المقيد ، ولا خلاف بين الوجودين المطلق والمقيد إلا من حيث الوهم ، لأن ماهيتهما واحدة ، فأنت تبصر المطلق في المقيد ، أو الواسع في الضيق ، والوحدة بينهما مطلقة .
ولهذا يشبه ابن سبعين الوجود بالدائرة الواحدة ، نقطتها ذاتها ، ولا أول لها ولا آخر ، ولا موضوع لها ولا محمول ، على حد تعبيره .
بين الوحدتين السبعينية والأكبرية
تبين مما تقدم أن ابن سبعين يذهب إلى القول بالوحدة في الوجود ، وإنه لا فرق بين الوجود المقيد والوجود المطلق ، وهنا يفوق ابن سبعين في وحدته المطلقة ونفي الإثنينية الوحدة الوجودية عند الشيخ الأكبر ابن عربي .
فابن سبعين يمعن في هذا الاتجاه حتى لينكر في كثير من الأحيان الوجود المقيد ، ولا يقر بوجود غير وجود الله ، ولا كذلك ابن عربي الذي أفسح في مذهبه مكاناً للقول بوجود الممكنات ، ومن هنا رأى ابن تيمية أن ابن عربي أقرب إلى الإسلام من غيره من صوفية الوحدة المطلقة كابن سبعين ، فيقول : « . . لكن ابن عربي أقربهم ( يقصد الصوفية القائلين بوحدة الوجود ) إلى الإسلام وأحسن كلاماً في مواضع كثيرة ، فإنه يفرق بين الظاهر والمظاهر ، فيقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه ، ويأمر بالسلوك بكثير مما أمر به المشايخ من الأخلاق والعبادات . . . » « 1 » .
وطبيعي أن يتعرض ابن سبعين لهجوم ابن تيمية وغيره من الفقهاء ، والواقع أن الذين هاجموه إنما كانوا ينظرون إليه بمنظار ظاهر الشريعة ، ويقيسون كلامه بمقياس المنطق ، بحكم
هامش
( 1 ) - ابن تيمية مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 178 176 .