إرادته حتى جعلوه كالريشة في مهب الريح أو الخشبة في اليم . وعندي أن
الخطأ في القول بسلطان العقل وحرية الإرادة والغلو فيهما خير من الغلو في
أضدادهما ، وفي رأيي أنه لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين
موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي وقد أعجزهم التسليم وشلهم
الجبر ، وقعد بهم التواكل ) ( 1 ) .
وفي مسألة التوحيد يقول : ( وقد كانت نظرتهم في توحيد الله نظرة في
غاية السمو والرفعة ، فطبقوا قوله تعالى : ( ليس كمثله شئ ) أبدع تطبيق ،
وحاربوا النظريات الوضعية من مثل نظريات الذين جعلوا الله تعالى جسما " ) ( 2 ) .
ويضيف أحمد أمين في مقال خاص بمدح المعتزلة تحت عنوان المعتزلة
والمحدثون : ( كان للمعتزلة منهج خاص أشبه ما يكون بمنهج من يسميهم
الفرنج ( العقليين ) عمادهم الشك أولا " والتجربة ثانيا " ، والحكم أخيرا " .
وللجاحظ في كتابه ( الحيوان ) مبحث طريف عن الشك . وكانوا وفق هذا
المنهج لا يقبلون الحديث إلا إذا أقره العقل ، ويؤولون الآيات حسب ما يتفق
والعقل كما فعل الزمخشري في كتابه ( الكشاف ) .
ويقابل هذا المنهج منهج المحدثين ، وهو منهج يعتمد على الرواية ، لا
على الدراية ، ولذلك كان نقدهم للحديث نقد سند لا متن ، ومتى صح السند
صح المتن ولو خالف العقل ، وقل أن نجد حديثا " نقد من ناحية المتن
عندهم ، وإذا عرض عليهم أمرا " رجعوا إلى الحديث ولو كان ظاهرة لا يتفق
والعقل ، كما يتجلى مذهب الحنابلة . . . ) ( 3 ) .
هامش
( 1 ) أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ص 70 .
( 2 ) المصدر نفسه ، ص 68 .
( 3 ) رسالة الإسلام التي تصدرها ( دار التقريب بين المذاهب الإسلامية ) . بالقاهرة : العدد الثالث من
السنة الثالثة .