بشماله ، ووراء ظهره وبيمينه ، وناداه من أيمن طوره ، وكلمه من نار نوره ، وأيده بجنوده ، وأمده بجوده ، ونفعه بجلوده ، ورفعه بشهوده ، وقربه من نفسه في سجوده حتى صار قالبه بصفة قلبه ، وانغلق لب قلبه بفالق حبه ، ورُب لبه امتلأ بحبه ، ولان جلد خلده ، كما لان قلب جسده . . .
يسجد لربه كما يسجد له جنود الأرض وشهود السماء ، ويحظى بسماع النداء من ( الياء ) في حضائر ( الهاء ) ويغوص في بحار قبضته ، ويخرق سجاف عرضته ، ويتسع بذلك فضاء عرصته ، حتى أخرق له البواطن إلى الظواهر ، وانخرقت الظواهر إلى السرائر ، والسرائر إلى الضمائر ، والضمائر إلى البصائر ، والبصائر إلى الشعائر ، وانخرقت الحكمة إلى القدرة ، والقدرة إلى القرة ، والقرة إلى الدرة ، والآخرة إلى الدنيا ، والدنيا إلى العقبى .
فعند ذلك يطلق من وثاق الأحوال ، إلى خصوصية قابلة لخاصية الأفعال ، فعبد الله تعالى في خاصية خصوصيته حقاً ، وآمن به صدقاً . . .
هو الذي خلا خلوات في المثل الأعلى ، والملأ الأعلى ، والمنظر الأعلى ، واعتكف في مسجد خلوته ، وانزوى في زاوية سلوته ، وارتبط في رباط وصلته .
فخرج من مسجد اعتكافه بصريح اعترافه ، وبحلي استغراقه .
وخرج من زاوية سلوته ، بجميع همته ، وبفريق نهمته .
وخرج من رباط وصلته بصحيح حالته ، وفصيح كلمته ، وبرابطة وحدته .
وله بكل خلوة في المثل الأعلى جلوة في الحق الأولى ، وبكل خلوة في الملأ الأعلى جلوة في الخلق الأعلم الأدنى ، وبكل خلوة في المنظر الأعلى جلوة بين يدي المولى . . .
ممالك المشاهيد في فيضته ، وتفاصيل الكل في جملته ، وجمل الكل في ثلثه ، كله بكله متقابل ، وليس كمثله شيء متماثل ، أخرجه الله تعالى من سعته في سعة كرسيه ، وعِلمه ورحمته إلى ساعته ، وجعله حياً بشهادته ، مشحوناً بعجائب صنعته ، فهو الموضوع لله في الغرس ، والمصنوع لرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الزرع ، والآخذ المأخوذ في الإنبات ، والمحاط في الآيات . . .
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 396
مساهمون: الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
ص٣٩٦