ويقول الباحث محمد غازي عرابي :
« الذكر ذكران : ذكر من جانب العبد ، وذكر من جانب الرب . .
أما ذكر العبد : فهو توق إلى أن يحس حضور الله فيه ، فهو بمثابة تقرب وتبتل وحب وميل وشعور بالغربة . فالذاكر يريد أن يرتمي في أحضان الله ، فهو متوجه إليه بمشاعره كلها لكي يصل إلى لحظة تفجر نور الغبطة فيه ، وهو إحساس يجده كل ذاكر مخلص صادق في ذكره لم يجعل بينه وبين الله إلهاً آخر كائناً ما كان .
أما ذكر الرب : فهو ذكر الذكر ، أو سر الذكر ، إذ الميل إلى الذكر سببه وجود رغبة من قِبل الحق في أن يتقرب العبد منه . فالذاكر مدعو للذكر ، والرضى سبق الذكر وليس العكس ، وهذه لطيفة لا يعرفها إلا العارفون . فما وجد توجه إلا بعد انجذاب ، ولا يوجد التوجه إن لم يوجد الانجذاب ، فالله سبحانه قال :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
« 1 » . فسبق رضاه رضاهم ، ولولا رضاه عنهم ما رضوا عنه ، أي ما توجهوا إلى طريق الرضا أصلًا ولا فكروا فيه . وكلا الحالين في الذكرين قائم على التفرقة ، أي على عدم الوصول إلى مقام الفناء ، فإذا وصلت فلا ذكر ، إذ يكتشف الذاكر أن لسانه لسان الله ، وقلبه قلبه ، فما ردد الله الله إلا الله » « 2 » .
[ مسألة 4 ] : في درجات الذكر
يقول الشيخ محمود الفركاوي القادري :
« الدرجة الأولى : الذكر باللسان . . .
الدرجة الثانية : أرفع مما قبلها ، فإن ما قبلها ذكر اللسان ، وهو توالي ذكر القلب ، حتى يتنور ، ويقوى ويصير مشاهداً للحق ، ويذهب عنه الكسل والفتور ، ويلزم القلب المسامرة : وهي مخاطبة الحق له في قلبه ، أما بالفهم لما يذكر ويتلو ، وأما بخلق الحق له خواطر يطلعه بها على الأسرار والأخبار . . .
هامش
( 1 ) - المائدة : 119 .
( 2 ) - محمد غازي عرابي النصوص في مصطلحات التصوف ص 135 .