ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم فينا بالعدل ، فغضب عمر رضي الله عنه حتى هم أن يوقع
به ، فقال له الحر : يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) : ( خذ العفو وأمر بالعرف
وأعرض عن الجاهلين ) [ الأعراف : 199 ] وإن هذا من الجاهلين ، والله ما جاوزها عمر
حين تلاها عليه ، وكان وقافا عند كتاب الله تعالى .
( باب وعظ الإنسان من هو أجل منه )
957 - فيه حديث ابن عباس في قصة عمر رضي الله عنه في الباب قبله .
إعلم أن هذا الباب مما تتأكد العناية به ، فيجب على الإنسان النصيحة ، والوعظ ،
والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر لكل صغير وكبير إذا لم يغلب على ظنه ترتب
مفسدة على وعظه ، قال الله تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
وجادلهم بالتي هي أحسن ) [ النحل : 125 ] . وأما الأحاديث بنحو ما ذكرنا فأكثر من أن
تحصر .
وأما ما يفعله كثير من الناس من إهمال ذلك في حق كبار المراتب ، وتوهمهم أن
ذلك حياء ، فخطأ صريح ، وجهل قبيح ، فإن ذلك ليس بحياء ، وإنما هو خور ومهانة
وضعف وعجز ، فإن الحياء خير كله ، والحياء لا يأتي إلا بخير ، وهذا يأتي بشر ، فليس
بحياء ، وإنما الحياء عند العلماء الربانيين ، والأئمة المحققين ، خلق يبعث على ترك
القبيح ، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ، وهذا معنى ما رويناه عن الجنيد رضي الله
عنه في " رسالة " القشيري ، قال : الحياء رؤية الآلاء ، ورؤية التقصير ، فيتولد بينهما حالة
تسمى حياء .
وقد أوضحت هذا مبسوطا في أول " شرح صحيح مسلم " ، ولله الحمد ، والله أعلم .
( باب الأمر بالوفاء بالعهد والوعد )
قال الله تعالى : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) [ النحل : 11 ] وقال تعالى :
( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) ( 1 ) [ المائدة : 1 ] وقال تعالى : ( وأوفوا بالعهد إن
العهد كان مسؤولا ) [ الإسراء : 34 ] . والآيات في ذلك كثيرة ، ومن أشدها قوله
هامش
( 1 ) العقود جمع عقد : وهو ما التزمه الانسان من مطلوب شرعي ، وهو عام يندرج تحته ما ربطه الانسان على
نفسه أو مع صاحب له مما يجوز شرعا .