ث وأما التيتم فله ثلاث منازل :
أولها : الوجد ، وهو مأخوذ من اليتم ، ومنه درة يتيمة ، وهو التفرد عن الأكوان بمكونها ، فإن من هجر الأغيار بقي مع مطلوبه ومحبوبه فلا يختلفان في قول ولا فعل ولا يتنافيان في ظاهر ولا باطن ، فأمراهما واحد ونهياهما واحد ، كما قال الشاعر :
وإذا صاحبتَ ، صاحب صاحباً * ذا عفاف وحياء وكرم
قوله للشيء لا إن قلتَ لا * وإذا قلتَ نعمْ ، قال نعم
وسئل الجنيد قدّس اللَّه سرّه عن علامة القبول .
فقال : أن لا تستثقل اتباع أوامره واجتناب نواهيه ، فإن المحبة والمخالفة ضدان لا يجتمعان . وأنشد :
هموم رجال من أمور كثيرة * وهمي من الدنيا خليل مساعد
نكون كروح بين جسمين فرقاً * فجسماهما جسمان والروح واحد
فإن غاب عني لم أذق طعم لذة * فإن فؤادي نصفه متباعد
وقال أبو علي الدقاق : ألا ترى أن النبي صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم لما وصل إلى هذه المنزلة ، صارت طاعته طاعة الحق : (
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
) « 1 » ، (
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
) « 2 » .
قلبه قلبي وقلبي قلبه * فلنا أمر وقلب واحد
وقيل للحسين بن منصور [ الحلاج ] : متى تصفو المحبة ؟
قال : إذا عدم المحب نفسه ومصحوبه ، فلا يرى إلا محبوبه ومطلوبه فقد صفت له المحبة ، وما دام هو واقف على مقام الفروق ب : لي ولك وأنا وأنت ومعي ومعك ، فهو محجوب .
ثم ينتقل منها إلى منزلة الأسرار والاستتار ، لأن من قيد لفظه وحفظ طرفه كمل
هامش
( 1 ) النساء : 80 .
( 2 ) الحشر : 7 .