فقلت له : يا أخي صف لي المحبة .
فقال : كيف أصف شيئاً لم أجده في نفسي حق وجوده ، ولا علمت منتهاه في نفس أحد ، ومن قال رويت من المحبة : فهو كذاب ، ومن شكى منها : فهو مدع ، ومن ذكر محبوبه : فقد افترى . ثم أنشد يقول :
عجبت لمن يقول ذكرت حبي * وهل أنسى فأذكر ما نسيت
شربت الحب كأساً بعد كأس * فما نفد الشراب ولا رويت » « 1 »
[ حكاية - 4 ] :
يقول الشيخ أبو الطيب العكي :
كان سمنون جالس على شاطئ دجله يوماً وبيده قضيب يضرب فخذه وساقه حتى بان عظمها وسيَّح دمها [ وهو يقول ] :
كان لي قلب أعيش به * ضاع مني في تقلبه
رب فاردده علي فقد * ضاق صدري من تطلبه
وأغث ما دام بي رمق * يا غياث المستغيث به
ثم أفاق عما كان عليه بعد ساعة ، وأنشد :
يعاتبني فينبسط انقباضي * وتسكن لوعتي عند العتابِ
جرى فيّ الهوى مذ كنت طفلا * وها أنا قد كبرت على التصابِ
ثم قام من مكانه وأخذ في البكاء والنحيب ، وينشد :
أحن بأطراف النهار صبابة * وفي الليل يدعوني الهوى فأجيب
تقضّى زماني واشتياقي زائد * تُرى لي من وصل الحبيب نصيب
قال : فتبعته إلى أن رجع إلى مصلاه فلما دخل وقفت لأودّعه ، فسمعته يقول :
بكيت ودمع العين للنفس راحة * ولكن دمع الشوق يبكي به القلب
وذكريَ ما ألقاه ليس بنافع * ولكنه شوق يهيج به الكرب
هامش
( 1 ) القاضي عزيزي بن عبد الملك - مخطوطة لوامع أنوار القلوب وجوامع أسرار المحب والمحبوب - ورقة 73 أ - ب .