كما يقول أيضاً : « أما اللطفية الروحانية التي تتنعم بالعلوم الإلهية فليس هذا ( الجوع ) بابها ، وإنما بابها قطع الشواغل وترك الفضول وتعلق الهمة بالله تعالى ، وإنما حملهم على الجوع أن تضعف القوى فيقل فضول النفس بهذا السبب . وقد رأيت الرجل إذا قوي ترد عليه الموارد الإلهية في شبعه وجوعه . . . فلو كان الجوع شرطاً لما صح زواله ، ولكان الوارد يتوقف على عدم الشرط . . . » « 1 » .
وهكذا نلاحظ أن ابن عربي لم يتوقف عند الجوع كشرط ضروري من شروط الطريق كما قرره فكر أسلافه ، بل نظر إلى الجوع وسيلة لها فوائدها ولها مضارها ( الصحية والفكرية ) ولها ممارسة خاصة ( المريد دون الأربعين ) من خلال نسبيتها ( حد الشبع نسبي عند الأفراد ) » « 2 » .
[ مسألة - 12 ] : في عقوبات الشبع
يقول الإمام علي بن أبي طالب كرّم اللَّه وجهه :
« من شبع عوقب في الحال ثلاث عقوبات :
يلقى الغشاء على قلبه ، والنعاس في عينه ، والكسل على بدنه . . .
كثرة الطعام تميت القلب كما تميت كثرة الماء الزرع ، فلا تطلب الحياة لتأكل ، بل اطلب الأكل لتحيا . . ولا تجلس إلى الطعام إلا وأنت جائع ولا تقم منه إلا وأنت تشتهيه » « 3 »
[ مسألة - 13 ] : في ترك الجوع
يقول الشيخ الأكبر ابن عربي قدّس اللَّه سرّه :
« ترك الجوع عند القوم ليس الشبع وإنما هو إعطاء النفس حقها من الغذاء الذي جعل اللَّه به صلاح مزاجها وقوام بنيتها ، فإذا أحس صاحب هذه الحالة بالجوع فذلك جوع العادة . . . النبي صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم كان يتعوذ من الجوع ويقول : ( إنه بئس الضجيع ) « 4 » ، ولا يذم حال يعطي الفوائد فدل أنه لا فائدة في مثل هذا الجوع وإن الفوائد فيما أظهر الشرع ميزانه من ذلك ، فترك الجوع عبادة وطريق موصلة إلى اللَّه ، وبهذا فضل سلمان على أبي الدرداء وشهد
هامش
( 1 ) الشيخ ابن عربي - وسائل السائل - ص 55 .
( 2 ) د . سعاد الحكيم - المعجم الصوفي - ص 254 - 255 .
( 3 ) عبد الرحمن الشرقاوي - علي إمام المتقين - ج 2 ص 380 .
( 4 ) موارد الظمآن ج : 1 ص : 605 .