العامة ، وسط صمت الجموع الغفيرة . ويذكر التاريخ أن هذه المحاكم للفكر وللضمير كانت بدايتها في القرن العاشر ، واستمرت حتى القرن التاسع عشر عندما ألغاها بالكلية يوسف بونابرت سنة 1834 ، أي أن هذه المحاكم المشينة ضد الفكر والعقيدة استمرت تسعة قرون ، وكانت قرارات إقامتها تصدر من البابا ، فيعيّن في بلد من البلاد مفتشا عاما يشرف عليها ، ويعيّين هذا بدوره رؤساء وأعضاء للمحاكم الإقليمية . وكان الذين أوعوزوا بفكرة هذه المحاكم رهبان الدومينيكان في أسبانيا ، وشكلوا غالبية أعضائها . ومن دعواهم لتبريرها وإضفاء الشرعية عليها ، أن اللّه نفسه عقد محاكمة لآدم وحواء وأدانهما وأصدر أول حكم بالحرمان والنفي ، وأن المسيح حاكم الفريسيين والصدوقيين وقضى فيهم برأيه ، ولعنهم في الدنيا إلى يوم الدين ، وحرمهم من مغفرة اللّه ، وأن البابا باعتباره خليفة المسيح في الأرض ، له هذا الحق من بعده بالتبعية . ويذكر فولتير في معجمه في الفلسفة أن عدد الذين صلبوا وأحرقوا من قبل محاكم التفتيش بلغوا نحو مائة ألف ، كان منهم المفكرون ، والمسلمون ، واليهود ، وكان على رأس هذه المحاكم أحد النصّابين العتاة واسمه سافيردا ، احتال على الناس وفرض عليهم الإتاوات في إشبيلية وإلّا قدّمهم إلى المحاكمة ، وكان يجمع العشور غصبا ، وحدث أنه في يوم واحد أحرق مائتين ، وجمع أكثر من مائتي ألف كراون . ومن أشهر المفتشين الراهب الدومينيكانى توماس التوركومادى ، وكان سفّاحا متعطشا للدماء لا يقاس إليه الحجّاج بن يوسف الثقفي ، ولا أبو العباس السفّاح ، فقد بلغ جملة من أحرقهم أحياء ألف رجل . وحوكم وعذّب مرتين القديس إجناتيوس ليولا مؤسس رهبانية الچزويت ، وسجن الأب الدومينكانى بارتولومورى كاراتزا لنحو سبع عشرة سنة ، فكان حالهما كما يقال في الأمثال : النصرانية تأكل أبناءها ! وهؤلاء الرهبان الدومينيكان - سدنة هذه المحاكم - هم الذين نقلوها إلى المكسيك ، وبيرو ، وصقلية ، ونشروها في العالم المسيحي . ولعل المشرّع الحديث في بلادنا لا يكون قد نقل عن هؤلاء قوانينهم التي تحجر على الفكر وتجرّم الفلسفة ، وقد قيل إن وزارة التربية ألغت مقررات الفلسفة من المدارس الثانوية ، وأن تشريعات بعينها تحظر الفكر الإسلامي ، وتلاحق المفكرين الإسلاميين في بلاد الإسلام ، وأن للرأي عندنا جرائما يعاقب عليها بالسجن والفصل والمصادرة والغرامة ! وجاء في الصحف مؤخرا أن الزعيم الأمريكى
المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة — صفحة 753
مساهمون: عبد المنعم الحفني
ص٧٥٣