وأهل المحبة على ثلاثة أحوال : محبة العامة ، ومحبة الخواص أو الصادقين ، والمحبة الذاتية والمحبة نفسها أنواع ثلاثة : المحبة
Philia
أي الصداقة ؛ والمحبة
Agape
أي محبة الجار أو محبة الغير ؛ ومحبة الذات . والمحبة تنقسم بحسب المبادئ والغايات إلى عشرة أقسام ، خمسة منها للمحبين ، أولها : الألفة ، ثم الهوى ، ثم الخلّة ، ثم الشغف ، ثم الوجد ؛ وخمسة منها للعاشقين ، أولها : الغرام ، ثم الافتتان ، ثم الوله ، ثم الدهش ، ثم الفناء . واسم المحبة يشتمل على الكل . والمحبة إما يستعملها المحب أو تستعمله ، فإن استعملها كان له فيها كسب واختيار ، وهو فيها لا محب ؛ وإن استعملته لا يكون له فيها كسب ، ولا اختيار ، ولا نظر لنفسه ، فهو عاشق .
وسبب المحبة ميل الجميل إلى الجمال بدلالة المشاهدة . والحب الإلهى وراء حب العقلاء ، وهو صفة قائمة بذاتها في اللّه بذاته ، وحب العقلاء قائم بهم فيحبونه بحبّه إياهم .
وفي الحديث النبوي : « إن اللّه جميل يحب الجمال » ، فكل شئ ينجذب إلى أصله وجنسه ، وينزع إلى أنسه ووصله . والجميل المطلق هو اللّه تعالى ، ومحبتنا له لذلك كيفية روحانية ، وأما محبتنا لغيره فهي لأننا نتصوره جميلا ، فتكون محبتنا له كيفية نفسية ، لتوهّم لذة فيه ، أو منفعة ، أو مشاكلة ، كمحبة العاشق لمعشوقة ، والمنعم عليه لمنعمه ، والوالد لولده ، والصديق لصديقه .
وقيل في الآية :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ
( البقرة 165 ) أن المحبة لمّا كانت نوعا من الإرادة ، والإرادة لا تعلّق لها إلا بالجائزات ، فيستحيل تعلّق المحبة بذات اللّه تعالى وصفاته ، فإذا قلنا نحبّ اللّه فمعناه نحب طاعته نازلة ، والإنسان قد يأتي اللذة لمحبة لها في ذاتها ، وكذلك الكمال قد نحبه لذاته ، واللّه تعالى محبوب لذاته وفي ذاته .
وللمحبة مقام ، ولها مراتب ، وتبدأ من الإلف حتى شدّة المحبة واستيلائها على القلب ، فتكون النفرة عمّا سوى المحبوب أشدّ . ومحبة المحبوب قد لا تجد صدى عند المحبوب ، وإذا كان لها الصدى فيستحق أن تتوازن المحبتان وتتعادلا ، فأحدهما محبته غالبة بالضرورة ، ومن زادت محبته فهو المحب ، والمقابل له المحبوب ، والأول محبته محبيّة ، والثاني محبته محبوبية ، والصفتان لا تجتمعان إلا في عين المحبة : بأن لا يحب المحب إلا المحبة ، فإذا ارتقت محبة المحب إلى مرتبة المحبوبية تحقق له الوصول ، وارتفع عنه التضاد ، ولم يعد ثمة فرق بين محب ومحبوب ، وإنما هي المحبة للكل كما يقول فيرچيل
Amor omnibus idem
، وهي المحبة الحقيقية
amitie ? propre
، فكل محبوب محب ، وكل محب محبوب ، وعندئذ يتكلم المحب عن نفسه باعتباره المحبوب ، والناس في المحبة أنماط ، وبعضهم يختص بالمحبة ، وبعضهم بالمحبوبية ، بظهور أحد الوصفين فيهم وبطون الآخر ، فمن ظهرت عليه علاقات المحبية وبطنت المحبوبية قيل إنه المحب ،