تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
مدى الحياة . والشفاعة في كل الأديان ، وعند اليهود هي العهد الأبدي الذي قطعه اللّه على نفسه لهم بأن يشفع لأي الخطّاء منهم ؛ وعند النصارى في رسائل بولس أن مجرد الاعتقاد بربوبية المسيح توحّد بينه وبين المسيحي المؤمن فيشفع له ذلك يوم القيامة وإن كثرت خطاياه . وفي القرآن يأتي عن الشفاعة ثلاثون مرة . والشفاعة في الدنيا نوعان : حسنة وسيئة ، وحكم الحسنة قوله تعالى :
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً
( النساء 85 ) ، وفي الآخرة لا شفاعة إلا للّه ( السجدة 4 ) ، وما للظالمين من شفيع يطاع ( غافر 18 ) ، ولا تنفع شفاعة إلا من شهد بالحق ( الزخرف 86 ) ، ولا شفاعة أصلا إلّا من بعد إذنه تعالى ، وفي السنّة أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم من هؤلاء المأذون لهم بالشفاعة ، يسألها ربّه لأمّته فيقول له : « يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع ، واشفع تشفع » . والشفاعة في الدنيا تقتضى حاكما مستبدا لا حاكما عادلا ، لأنها تقتضى منه أن يتخلى عن العدل من أجل الشفيع ، وأن يفسخ ما كان يتوجب عليه أن يتوجه إليه عزمه . والحاكم المستبد هو الذي يقبل أن يحكم بخلاف ما يعلم أنه الصواب والحق . والشفاعة بهذا المعنى ظلم ومحال على اللّه ، لأنه تعالى يستحيل أن يغيّر إرادته ، ولا أن يحوّل عدله ، وإرادته تعالى بحسب علمه الأزلي لا تغيير فيها ولا تبديل . وعلى ذلك فما ورد في الشفاعة من الأحاديث من المتشابه ، والمسلمون فيها على التفويض فيما لا يعلمون ، وينزّهون اللّه عن الشفاعة على شاكلة ما يرونه منها في الحياة الدنيا . وكان الإمام ابن تيمية يرى في أحاديث الشفاعة أن شفاعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ليست إلا من باب الدعاء ، ولا تعنى أن المولى سيرجع عن إرادته من أجل الشافع . وما ورد في القرآن عن يوم الحساب قاطع حاسم بشأن الشفاعة ، وفيه تنقطع الأسباب ، وتبطل منفعة الأنساب ، ولا يدفع فيه بالفداء ولا بشفاعة الشافعين ، وتضمحل الوسائل ، إلّا ما كان من إخلاص في العمل قبل حلول الأجل . وفي الفلسفة في مجال الشفاعة يقول الشيخ محمد عبده : إن الشفاعات في إفساد الحكومات والدول والشعوب أشد فتكا من الذئاب الضاربة بالغنم . وفي الحكومات التي تروج فيها الشفاعات يعتمد الناس على الشفاعة في ظل ما يطلبون ، لا على الحق والعدل ، فتضيع فيها الحقوق ، ويحل الظلم محل العدل ، ويسرى ذلك من الحكومات إلى الناس فيكون الفساد عاما ، وهو حال بلادنا ، والاعتقاد الشائع فيها أن لا قضاء لمصلحة إلا بالشفاعة والرشوة . وبهذا المعنى تستحيل شفاعة على اللّه ، لأن ما يقضى به إنما هو تابع لحكمته وعلمه وعدله والحق الذي هو اسمه ، وهذه الشفاعة التي يتعلق بها السفهاء
المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة — صفحة 442 | عبد المنعم الحفني