في الأمور الأخروية وأحوالها ، ويعدون ذلك من قبيل الاستدراج أو المكر بالعبد ، بل كثير منهم لا يلتفتون إلى الكشف الأخروي أيضا ، وهم الذين جعلوا غاية مقصدهم ومنتهى غرضهم الفناء في اللّه والمحو في جنابه .
وهذه المكاشفات الصورية قد تكون مع اطلاع على المعاني الغيبية ، بل أكثرها يتضمن المكاشفات المعنوية ، فيكون أعلى مرتبة وأكثر يقينا لجمعها بين الصورة والمعنى ، ومنبع هذه المكاشفات هو القلب الإنساني ؛ أي نفسه الناطقة المنورة بالعقل العملي ، المستعمل لحواسه الروحانية ، وقد مرّ أن للنفس في ذاتها عينا وسمعا وغير ذلك أشار إليه بقوله :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحج : 46 ] . وفي الأحاديث المشهورة كثير مما يؤيد ذلك ، وتلك الحواس الروحانية هي أصل هذه الحواس الجسمانية ، فإذا ارتفع الحجاب بينها وبين هذه الخارجية ، يتحد الأصل مع الفرع ، فيشاهد بهذه الحواس ما يشاهد بها ، والروح تشاهد جميع ذلك بذاته ؛ لأن هذه الحقائق تتحد في مرتبته عند كونه في مقام العقل ، لأن العقل كل الموجودات كما بيناه في العلوم النظرية ، وأقمنا البرهان عليه على ما يناسب أهل النظر ، وبراهين هذه المقدمات كلها توجد في مقالاتنا ومسفوراتنا ، قد ذكرناها هاهنا مجردة عن البراهين جريا على عادة القوم .
وأما الكشف المعنوي ، المجرد من صور الحقائق ، الحاصل من تجليات الاسم العليم الحكيم ، وهو ظهور المعاني الغيبية والحقائق العينية ، فله أيضا مراتب : أولها ظهور المعاني في القوة المفكرة من غير استعمال المقدمات وتركيب القياسات ، بل بأن ينتقل الذهن من المطالب إلى مبادئها ، ويسمى بالحدس فما في القوة العاقلة المستعملة للمفكرة ، ويسمى بالنور القدسي ، والحدس من لوامع أنواره ، فهي أدنى مراتب الكشف ، ثم في مرتبة القلب ويسمى بالإلهام ، إن كان الظاهر معنى من المعاني ، لا حقيقة من الحقائق روحا من الأرواح ، وإلا فيكون مشاهدة قلبية ، ثم في مقام الروح ويسمى بالشهود الروحي ، وهي بمثابة الشمس المنورة لسماوات