علم الميزان الذي يعرف بها الوزن في المعاني العقلية ، وقد أنزل اللّه هذا الميزان من السماء مع الكتاب إلى رسله ، لتعلموا الناس كيفيّة الوزن به لمعاني الكتب ، كما أشار إليه بقوله :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
( الحديد : 25 ) وسيأتيك شرح ماهيّة هذا الميزان في مباحث علم المعاد إن شاء اللّه . فقد ظهر من هذه المسائل أنّ التركيب من الماء والطين مثلا دلّ على الحركة ، والحركة دلّت على اختلاف الجهتين ، ولم يمكن اختلافهما إلّا بجسم محيط وهو السماء ، وأنّه لابدّ وأن تكون متحرّكة على الدوام ، حتى يتصوّر حدوث الحوادث ، وسيأتي أيضا أنّ هذه الحركة ليست طبيعية ولا حيوانية جسمانية ، بل حيوانية عقلية تقرّبا إلى اللّه ، وتوسّلا إلى ملكوته الأقدس ، وهذا هو معنى التدبّر والنظر في أمر السماء والأرض الذي أمر اللّه تعالى عباده في كتابه ، وحثّ عليه تأكيدا ومبالغة في كثير من الآيات ، مثل قوله :
أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها
( ق : 6 ) .
( مفغ ، 366 ، 4 )
حدوث إنشائي
- إنّ السماء بما هي شخصية محسوسة وكذا غيرها من الأمور المحسوسة المادية الموجودة في عالم الدنيا أمر زماني الوجود ، تدريجي الحصول ، مدّة كونها البقائي عين مدّة حدوثها الإنشائي ، فهذه المدّة المضروبة في الكلام الإلهي هي مدّة بقاء وجودها الذي هو عين الحدوث ، ويشير إلى هذا قوله سبحانه :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
( الرحمن : 29 ) . ( تفسق ( 6 ) ، 33 ، 4 )
حدوث تجدّدي
- كل بسيط الحقيقة يجب أن يكون جميع الأشياء بالفعل ؛ وهذا سرّ عظيم ، غفل عنه جمهور العلماء إلّا من خصّه اللّه بكونه معتنى به . فلمّا كانت حقيقة الهيولى هي القوّة والاستعداد وحقيقة الصورة لها الحدوث التجدّدي - كما سيأتي - ، فللهيولى في كل آن صورة أخرى بالاستعداد ولكل صورة هيولى أخرى بالإيجاب ؛ لتقدّم حقيقة الصورة على الهيولى بالاستلزام طبعا وتأخّر هويّتها الشخصية عنها باللحوق الانفكاكي زمانا .
فلكل منهما تجدّد ودوام بالأخرى ؛ لا على وجه الدّور المستحيل ، كما يستبين بتحقيق مبحث التلازم بينهما . ( رسح ، 43 ، 11 )
حدوث الحادث
- حدوث الحادث إمّا من لوازم ذاته وماهيّته ، أو من عوارضه الممكنة الانفكاك . أما القسم الأول فلا لميّة لثبوته لذلك الحادث إلّا إرادة الحق الأول المتعلّق بذات ذلك الشيء بالجعل البسيط الإبداعي ، كما أن كون الإنسان جوهرا ناطقا لا لميّة له إلّا تعلّق فعل الحق به ، على الوجه المذكور ، أي إفادة نفس