والآخر الإلهي ، فإن هذه القسمة حسنة مصيبة إذ هي واقعة على الأوائل التي منها كون كل مكوّن وهي ثلاثة أيضا ، وإنما أعني بكل مكوّن ، الأجساد الطبيعية ، فإنها مكوّنة من عنصر وصورة وحركة ، وليس يمكن أن يكون أو يرى واحد من هذه مفردا منها ، ساكنا فيها ، قائما وحده بذاته دون الآخر ، فإنها ليس بذلك هي بيّنة ، أعني بالرؤية ، ولكن كل واحد منها مفهوم بذاته قائم بنفسه ، تام في العقلية بخاصة له طبيعية ، فإنه ليس العنصر والصورة واحدا في الطبيعة . ولا العنصر والحركة ولا الصورة والحركة ، لأن العنصر هو الذي منه يكون الشيء ، والصورة هي التي بها الشيء المكوّن هو ما هو ، والحركة هي المحرّكة من القوة إلى الفعل . ومن هذه الثلاثة : أما الحركة فمقوّمة الصنف الإلهي ، فإن الطالب الباحث عن سببيّة حركة الكل الأولى ، أعني التي من المشرق إلى المغرب ، يجدها محرّكة العالم أولا ، وسبب هذه الحركة وباعثها هو الإله جلّ ثناؤه ، وبطلب العلم به يثبت صنف العلم الإلهي ، فإن اللّه جلّ ثناؤه سبب هذه الحركة وفاعلها ، وهو إله قديم لا يرى ولا يتحرّك بل هو محرّك غير متحرّك . فهذه صفته عند من يفهمه بالقول المرسل البسيط الذي لا ينحلّ إلى أبسط منه ، ولا يتجزّأ لأنه ليس بمركّب ولا يمكن منه التركيب بل هو مفارق للأجسام المبصرة ، إذ هو جلّ ثناؤه سبب حركة الأجسام المبصرة . . . فمقوّم صنف العلم الإلهي الحركة ، ومقوّم صنف العلم الطبيعي العنصر ، وهو الدائم الانفعال في الكيفية الأبدية التغيّر ، كالأبيض إلى الأسود والحارّ إلى البارد والحلو إلى المرّ واللبن إلى الجبن ؛ ولذلك ما قد يستبين أنه غير ثابت على كيفية ؛ وسبب تغيّره وقلّة ثباته على كيفية من قبل العنصر . فإذا ، سبب القوام والثّبات إنما هو الصورة التي ليس لها سيلان ولا تغيّر ، وسبب الطبيعة في تغيّرها العنصر . وأمّا اسم العلم المخصوص باسم التعاليم ، فإنما سببه الصورة ، فكيفيّة التعاليم محكمة بالصورة والشبه وأيضا بحركات الإنتقال . وأعني بالصورة ها هنا الموجود في العنصر ، السطح والنهاية ، أعني بكيفية الصورة الشكل ، كالمثلّث والمربّع وما أشبه ذلك ، وثباتها أيضا في العظم الذي تقع عليه الأقدار في الكميّة كلها ، كالعدد ، وكالزمان والمكان اللذين يبحثان في علم النجوم ، لأن علم النجوم فيه إدراك الموضع والزمان ؛ ولا يدرك ذلك إلّا بطلب من النجوم في أي موضع هي ، وفي كم تعود العودات من الزمان . فبيّن أنه ينبغي أن تكون هذه التعاليم كالواسطة بين العلم الطبيعي والعلم الإلهي ، لأن الطبيعي يحتاج إلى الحس في إدراكه ، وأما الإلهي فإلى العقل والفهم في إدراكه ؛ أما العلم الأوسط الذي هو التعاليمي فقد يمكن إدراك العلم به بالحسّ وبغير الحسّ ، أعني بالعقل . ( كصع ، 124 ، 3 )
موسوعة مصطلحات الكندي والفارابي — صفحة الكندي 126
مساهمون: جيرار جهامي
صالكندي ١٢٦