نأتك أمامة إلّا سؤالا * وإلّا خيالا يوافي خيالا
توافي مع اللّيل مستوطنا * وتأبى مع الصّبح إلّا زيالا
خيال يخيّل لي نيلها * ولو قدرت لم يخيّل نوالا
فانظر إلى هذا الطبع المتدفق ، والنسج المطرد المنسق ، من أعرابي قحّ ، قيل إنه مفتتح لوصف الطيف . وكأنه لانطباع سبكه ، وجودة وضعه ، قد قال في هذا المعنى الكثير ، ونظم منه الغزير ، وقلب ظاهره وباطنه ، وباشر أوله وآخره ، وكأنه قد سمع فيه من أقوال المحسنين ، وإجادة المجيدين ، ما سلك منهجه ، وأخرج كلامه مخرجه . ولكن اللّه تعالى أودع هؤلاء القوم من أسرار الفصاحة ، وهداهم من مسالك البلاغة ، إلى ما هو ظاهر باهر ؛ ولهذا كان القرآن معجزا ، وعلما على النبوّة ، لأنه أعجز قوما هذه صفاتهم ونعوتهم .
ونظير قول ابن قميئة قول المجنون : « 1 »
هامش
-وأهلكني تأميل ما لست مدركا * وتأميل عام بعد ذاك وعام
إذا ما رآني الناس قالوا : ألم تكن * جليدا حديث السنّ غير كهام ؟ !
فأفنى وما أفنى من الدهر ليلة * فلم يغن ما أخنيت سلك نظام
فلو أنني أرمى بنبل رأيتها * ولكنني أرمى بغير سهام
على الراحتين مرة وعلى العصا * أنواء ثلاثا بعدهن قيامي
وكأني وقد جاوزت تسعين حجة * خلعت بها عني عذار لجاميوفي عبد بني القيس : عمرو ببن قميئة الصغير .
( 1 ) المجنون هو : قيس بن الملوّح مجنون ليلى بنت مهدي العامريان ، وقد كتبت في سيرتهما الكتب الكبيرة ، وترجمت لهما مصادر عديدة أذكر منها :
الشعر والشعراء ( 467 ) ، الأغاني ( 2 / 1 ) ، المؤتلف والمختلف ( 188 ) ، نشوار المحاضرة ( 5 / 102 ) ، سمط اللآلئ ( 350 ) ، تاريخ الإسلام ( 3 / 64 ) ، قوات الوفيات ( 2 / 136 ) ، سرح العيون ( 195 ) شرح الشواهد ( 238 ) ، النجوم الزاهرة ( 1 / 170 ) تزيين الأسواق ( 1 / 67 ) ، شذرات الذهب ( 1 / 277 ) ، خزانة الأدب ( 2 / 170 ) سير أعلام النبلاء ( 4 / 5 ) وقال في ترجمته له :
قيس بن الملوح وقيل : قيس بن معاذ ، وقيل اسمه : بحتري بن الجحد ، وقيل غير ذلك ، من بني عامر بن صعصعة ، وقيل : من بني كعب بن سعد ، الذي قتله الحب في ليلى بنت مهدي العامرية سمعنا أخباره تأليف ابن المرزبان .
وقد أنكر بعضهم ليلى والمجنون ، وهذا وقع بالصدر فما من لم يعلم حجّة على من عنده علم ، ولا -