وقلت : هذه جملة يطول شرحها وليلة قد أسفر صبيحها ، واستدعيت المشروب ، والمشموم ، وهيأت الظاهر والمكتوم ، وأعدد المنثور والمنظوم ، وأحضرت أنواع الرياحين ، وتفألت بالجمع بين الورد والياسمين ، ونضدت مجلسا للشراب ، ومجمعا للأوتار والإطراب وروقت سلافا أرق من الماء ، وأجرى من الهواء ، وأحسن من الذهب ، وأنور من اللهب ، وأسلس من النسيم ، وأصفى من التسنيم ، وأشد إشراقا من الشمس كأنها أفرغت في الزجاج من القلب / [ 40 / ب ] على الغرر البدائع ، والمعاني التي هي أعذب من جناء النحل ممزوجا بماء الوقائع والألفاظ التي أصحب أبيّها وأطاعه عصّيها ، وانثالت عليه انتثالا وثنيت أعناقها إليها أرسالا ، فحكم فيها حكم العارف الخبير ، وأبرزها بحسن نظمه ، كالروض النضير ، وأنا أذكر من أشعاره ما حضر ، ومن أراد الزيادة ، فعليه بديوانه يستخرج منه الدرر ، قال :
قامت تريني وأمر اللّيل مجتمع * صبيحا تولّد بين الماء والعنب
كأنّ صغرى وكبرى من فواقعها * حصباء ودّر على أرض من الذّهب « 1 »
هذا التشبيه في غاية الحسن ، وقد أخذ عليه : / [ 41 / أ ] « صغرى وكبرى » ما هو
هامش
( 1 ) وقال هاشم الرفاعي في ديوانه ( ص 284 ) في قصيدة أنشودة عاشق :كعاب يسرّ العين من حسن خطوها * تأود أعطاف ولين قيود
كأن بياض الوجه والفرع حوله * تبلج بدر في دجنّة بيد
تريك بهاء الورد في وجناتها * وتبسم عن مثل الأقاع نضيد
تفوق المها في الحسن طرفا ومقلة * وتحكي ظباء القاع لفتة جيد
من اللّاء يشفين الخلي بنظرة * فيمس بقلب في الغرام عميد
ومن عجب في الجفن بدا وكم * له من شهيد راح إثر شهيدويقول في قصيدة أخرى بعنوان فاتنة في نفس الديوان ( ص 286 ) :ملّ عينيك دعوة للنزال * وبجفنيك فإنك من نصال
لست أقوى عليها لست أقوى * إنما أنت شعلة من جمال
قد دعوت الفؤاد حتى تردّى * فأبنت الدلال كلّ الدلال
بسمة الوجه في دجى الشعر تحكي * ومضة الفجر في ظلام الليالي
ذلك الثغر باهتصارك يغري * ذلك الصدر ملهب للخيال
في قوام متى احتواه ذراعي * وأطل الردى فلست أبالي