فمر بما تريد وأحكم حكم المالك على العبيد ، فحين سمعت كلامها ، وفهمت نظامها ، زاد غرامي أضعافا ، واستخفني الطرب استخفافا ، وكدت أطير فرحا وجذلا ، ولو لم أتماسك لصرت مثلا :
إذا الخبر استخفّك من بعيد ثناه * فكيف ظنّك بالقيان
فقلت : يا قرة العين الساهرة ، وقرار القلوب / [ 39 / أ ] النافرة شفيت نفسا أشفّت على التلف ، ونعشت قلبا أودى به وارد الأسف ، وكففت دمعا ما نهنهنه إلّا وكف ، ورفعت أملا كان في الحضيض فنال الشرف ، وأحييت روحا أماتها الجفاء ، ولازمها الهمّ فعليها الغفاء ، فاستدركت ما بقي من دمائها ، وبقيت عليها فضل مائها وسقيتها فعادات مخضرة الأوراق ، واعديها على دواعي الوجد وعوادي الفراق :
رأيت أن الوجد قد شفّني * وخانني في بعدك الصّبر
فعدت بالحسنى على مغرم * ذاب اشتياقا فلك الأجر « 1 »
هامش
- وقال آخر :تصدق بوعد إن دمعي سائل * وزود فؤادي نظرة فهو راحل
فخدك موجود به التبر دائما * وحسنك معدوم لديه المماثل
أيا قمرا من شمس طلعة وجهه * وظل عذاريه الدّجى والأصائل
تنقلت من طرف مع القلب والهوى * وهاتيك للبدر المنير منازل
جعلتك للتميز نصبا لخاطري * فهلا رفعت الهجر والهجر فاعلما سبق كله من المستطرف ( ص 447 ، 449 )
( 1 ) وللجواب على هذا جاء في المستطرف كل فن مستظرف قال يحيى بن أكثم ( ص 451 ) :بأبي غزالا غازلته مقلتي * بين العذيب وبين شطي بارق
وسألت منه زورة تشفي الجوى * فأجابني عنها بوعد صادق
بتنا ونحن من الدجى في خيمة * ومن النجوم الزهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيله * صهباء كالمسك الذكي لناشق
وضممته ضم الكميّ لسيفه * وذؤابتاه حمائل في عاتقي
حتى إذا مات به سنة الكرى * زحزحته عني وكان معانقي
أبعدته عن أضلع تشقاقه * كي لا ينام على فراش خافق
لما رأيت الليل آخر عمره * قد شاب في لمم له ومفارق-