مقسما أقسم على أن البحتري ما خطر بباله ما صرحنا نحن به في الأبيات الميمية ، وإنما عنى ما حكيناه ، لكان صادقا .
فأما قول الفرزدق :
إذا ما نأت عني حييت وإن دنت * فأبعد من بيض الأنوق « 1 » كلامها
وتمتع عيني وهي يقظى حلالها * ويبذل لي عند المنام حرامها
فليس له بالمعنى الذي اختصصت به شبه ، وإن كان قد أتى بلفظ التحريم والتحليل ، وليس المعول على الألفاظ ، وإنما المعول على المعاني .
وإنما أراد الفرزدق أنها تمنع عينه وهي يقظى ، ما هو حرام من التمتع التام بها ، وهذا
هامش
( 1 ) قال الدميري في حياة الحيوان في حرف الألف في الأنوق : على فعول : الرخمة ، أو طائر أسود له شيء كالعرف أو أصلع الرأس أصفر المنقار . قيل : إن في أخلاقها أربع خصال : تحضن بيضها ، وتحمي فرخها ، وتألف ولدها ، ولا تمكن من نفسها غير زوجها . وفي المثل : أعز من بيض الأنوق ، وأبعد من بيض الأنوق . فلا يكاد يظفر به ؛ لأن أوكارها في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة ، وهي تحمق مع ذلك قال الشاعر :وذات اسمين والألوان شتى * وتحمق وهي كيسة الحويلوقال غيره :وكنت إذا استودعت سرّا كتمته * كبيض أنوق لا ينال لها وكروقال في حرف الراء في الرخمة .
الرّخمة : طائر أبقع يشبه النسر في الخلقة وكنيتها أم جعران ، وأم رسالة ، وأم عجيبة وأم قيس ، وأم كبير ، ويقال لها : الأنوق .
. . . وذكر عند الشعبي الروافض فقال : لو كانوا من الدواب لكانوا حمرا ، ولو كانوا من الطير لكانوا رخما .
ومن طبع هذه الطائر : أنه لا يرضى من الجبال إلّا بالموحش منها ، ولا من الأماكن إلّا بأسحقها وأبعدها عن أماكن أعدائه ، ولا من الهضاب إلا بصخورها ، ولذلك تضرب العرب المثل بالامتناع بيضة ، فيقولون : أعز من بيض الأنوق . والأنثى منه لا تمكن من نفسها غير ذكرها . وتبيض بيضة واحدة ، وربما أتأمت . وهي من لئام الطير وهي ثلاثة : البوم ، والغراب ، والرخمة . ( وحكمها ) :
تحرم الأكل . وقال الزمخشري أنها تقول في صياحها : سبحان ربي الأعلى . ( الأمثال ) : قالوا : أحمق من رخمة ، وأموق . وإنما خصت بذلك من بين الطير ؛ لأنها أم الطير وأظهرها حمقا وموقا ، وأقذرها طعما ، لأنها تأكل القذرة وقالوا : انطقي يا رخمة فإنك من طير اللّه ، أصله أن الطير صاحت فصاحت الرخمة ، فقيل لها يهزأ بها : إنك من طير اللّه فانطقي . يضرب به المثل للرجل الذي لا يلتفت إليه ولا يسمع منه .