ومن نظم معنى نتجه خاطره ، وسمح له به هاجسه ، لم يكن يحتذي فيه مثال غيره ، فهو في الحقيقة كالسابق إليه وإن كان قد وجد له نظير ما عرفه ولا بلغه ، يسلب الفضيلة من اعتمد على معنى سبق إليه غيره ، فنظمه وأدخله في كلامه ؛ لأنه لم يحظ بفضيلة السبق التي يقتضيها نتيجة الفكر ، وثمرة الخاطر . ومن أخرج إليه خاطره بعض المعاني من غير أن يكون سمعه ولا قرأه ولا احتذاه ، فله فضل الاستخراج والاستنباط الدالين على قوة الطبع ، وصحة الفكر ، وما عليه بعد ذلك أن يكون قد تقدمه متقدم فيه ، فوقع التوارد فيه من غير عمد ، وما عليه بعد ذلك أن يكون قد تقدمه متقدم فيه ، فوقع التوارد فيه من غير عمد ، فإن تجويز لا يسلب مدحا ، ولا ينقص فضلا .
ولي أيضا وهو ابتداء قصيدة :
عجبنا من خيالك كيف زارا * على عجل وما أمن الحذارا
أتى والشّوق جاذبه إلينا * ومن تبع الهوى ركب الخطارا
تلاق ضاع ما أغنى فتيلا * سوى أن هاج للقلب ادّكارا
ولي من قطعة مفردة :
وزائر زارني وهنّاه يغالطني * ولو لبست بياض الصّبح لم يزر
تمّت له وستور اللّيل مسبلة * بيني وبين يقيني والكرى سكوي
ولو أراد خداعي غير ذي وسن * لكان من نيل ما يبغي على غرر
البيت الثاني : عجيب المعنى ؛ لأنّ تخيل الطيف إنما يتم بالنوم ، حجز بين اليقين وبين النائم ، فاعتقد ما لا حقيقة له .
ولي أيضا من قطعة :
أترى عن حسن رأ * ي زارنا طيفك وهنا
لم يفدنا وطريف خا * دع يوجب منّا
إنّما الطّيف كلفظ * فارغ ما فيه معنى
كم رأينا باطلا نفّس * كربا من مغنّى
ما وجدت إلى الآن تشبيه الطيف الذي لا مفتش له ولا حصول ، باللفظ الخالي من معنى ، العاطل من غرض ، وإن كان قد قيل قديما وحديثا : إن الطيف باطل وزور ومحال ، ولا عائدة له ، فما شبهوه هكذا باللفظ الفارغ ، فهذا التشبيه هو الغريب .