أطعت الهوى حتّى أضرّ بك الهوى * وعلم حزما ما تقول العواذل
وأين الهوى منّى وقد شحط الصّبا * وفارق فودىّ الشّباب المزايل « 1 »
وقد قلصت عنّى ذيول شبيبتى * وفي الرّأس شيب كالثّغامة شامل « 2 »
ولى من دموعي غدوة وعشيّة * لبين الشّباب الغضّ طلّ ووابل « 3 »
وكيف يزيل الشّيب أو يرجع الصّبا * وجيب قلوب أو دموع هواطل ؟
ولاح لنا من أبرق الحزن بارق * كما لاح فجر آخر اللّيل ناحل
يضئ ويخفى لا يدوم لناظر * فلا هو مستخف ولا هو ماثل
فلمّا أضاءت غبشة حال عندهم * وعصفر واحمرّت عليه الغلائل « 4 »
ذكرت به من زارني من بلاده * وما الذّكر إلّا ما تجرّ البلابل
أمن بعد أن جرّبت كلّ مجرّب * وسلّم لي قصد السّبيل الأفاضل
ولم يك لي عيب يعاب بمثله * أولو الفضل إلّا ما تقوّل قائل
وسارت بروّاد الفضائل كلّها * من الشّرق والتّغريب عنّى الرّواحل
وحمّلت أعباء العشيرة في ندى * ويوم ردى والعود للعبء حامل « 5 »
وحزت كرامات الخلائق وادعا * وشاطرنى ضيق المكان الحلاحل « 6 »
وأنجدتهم بالرّأى والرّأى عازب * وجدت لهم بالحزم والحزم ماطل « 7 »
ولمّا اجتبونى لم يطر بهم أذى * وبان لهم منّى صحيح وباطل « 8 »
هامش
( 1 ) شحط : بعد ، والفودان : شعر جانى الرأس مما يلي شحمة الأذن .
( 2 ) قلصت : نقصت ، والثغامة : نبت أبيض .
( 3 ) الطل : المطر الخفيف ، والوابل : المطر الكثير .
( 4 ) حال : تغير ، وعصفر الصباغ الثوب صبغه بالعصفر وهو نبت ذو صبغة صفراء ، والغلائل :
جمع الغلالة ( بالكسر ) : وهو الثوب الذي يلي الجسد كالشعار .
( 5 ) العود ( بفتح ثم سكون ) : الجمل المسن .
( 6 ) الحلاحل ( بضم الحاء الأولى ) السيد الركين ، والجمع حلاحل بفتحها .
( 7 ) أنجدتهم : نصرتهم ، والعازب : البعيد .
( 8 ) اجتبونى : اختارونى ، ولم يطر بهم : لم يقرب منهم ولم يطر بساحتهم والفعل يطور .