فما الشّوق والأشجان إلّا صبوحه * وما الهمّ والأحزان إلا غبوقه « 1 »
فإن أنتما لم تسعداه بعبرة * فلا تنكرا إن سحّ بالدّمع موقه « 2 »
طوى الموت أهلي بعد طىّ أصادقى * ولمّا يقم من بان عنه صديقه
فثكل على ثكل ورزء يسوقه * إلى الكبد الحرّى عليه سؤوقه
وما المرء إلّا عرضة لمصيبة * فطورا بنوه ثمّ طورا شقيقه
وما الدّهر إلّا ترحة بعد فرحة * فلا كان منه برّه وعقوقه
أتاني من الطّرّاق ما يقرح الحشا * وكم طارق لي لا يودّ طروقه « 3 »
وقالوا : معزّ الدّين تاه به الرّدى * وسدّ به في وسط قاع خروقه
فألهب خوفا ليس يخبو حريقه * وأعقب سكرا ليس يصحو مفيقه
وذاك ذهاب ليس يدنو إيابه * ووشك غروب ليس يرجى شروقه
كأنّى وقد فارقته شعب منزل * تحمّل عنه راغمين فريقه « 4 »
وإلّا فصديان على ظهر قفرة * وما ماؤه إلّا السّراب وريقه « 5 »
فليس الذي تجرى به العين ماؤها * ولكنّه ماء الحياة أريقه
فمن لسرير الملك يركب متنه * فيعلو به إشرافه وسموقه ؟ « 6 »
ومن لصفيح الهند ينثر حوله * فديغ رؤوس في الوغى وفليقه ؟ « 7 »
ومن للقنا تحمرّ منه ترائب * كأنّ خلوق المعرسات خلوقه ؟ « 8 »
هامش
( 1 ) الصبوح : شراب الصباح ، والغبوق : شراب العشى .
( 2 ) الموق والماق : من العين معلوم .
( 3 ) الطارق : الآتي ليلا .
( 4 ) الفريق : الجماعة من الناس .
( 5 ) الصديان : العطشان .
( 6 ) الإشراف : العلو ، والسموق : مثله .
( 7 ) الفديغ : المشدوخ .
( 8 ) الترائب : عظام الصدر ومفردها تريبة . والخلوق : ضرب من الطيب أصفر اللون .