كم قد بلغت بهم في مطلب أربى * وكم أخذت بهم من معشر ثاري « 1 »
وكم جررت حقوفى بعد ما شحطت * بنصرهم من لهاة الضّيغم الضّارى « 2 »
المطعمين على خصب ومسغبة * والمنعمين على عسر وإيسار « 3 »
طاحوا وما طاح حزنى بعدهم ونأوا * عنّى وما نزحوا من بين أفكاري « 4 »
رزئتهم فيدى من بعدهم صفرت * من النّفيس وقلبي من هوى عار « 5 »
ولم يفتهم وقد حازوا الكمال على * كلّ الخلائق إلّا طول أعمار
وقد مررنا بدار بعدهم خشعت * بعد اعتلاء وأقوت بعد إعمار « 6 »
* * *
وقال وقد لامه بعض أصحابه على كثرة الإنفاق والعطاء :
دعى منظرى إن لم أكن لك رائعا * ولا تنظري إلّا إلى حسن مخبرى
فإنّى وخير القول ما كان صادقا * لدى الفخر سبّاق إلى كلّ مفخر
أعرّس في دار الحفاظ وإن نأى * وشمّر عنها كلّ ماض مشمّر « 7 »
وإن حال قوم عن هدى وتغيّروا * فإنّى بسمت القصد لم أتغيّر « 8 »
وأعلم أنّ الدّهر يعبث صرفه * بما شاء من مال البخيل المقتّر
فإنّ الرّدى دين علينا قضاؤه * فبين مسقّى كأسه ومؤخّر
هامش
( 1 ) الأرب : الحاجة والمطلب .
( 2 ) شحطت : بعدت ، واللهاة : الهنة المشرفة على البلعوم ، والمقصود بها هنا الفم من باب إطلاق الجزء على كله .
( 3 ) المسغبة : المجاعة .
( 4 ) نأوا : بعدوا ، ونزحوا : مثلها .
( 5 ) صفرت : حلت .
( 6 ) أقوت : قفرت .
( 7 ) أعرس : أقيم ، من التعريس وهو نزول المسافر للاستراحة ، والحفاظ : الذمام والعهد ، ونأى : بعد ، وشمر عن الشئ : قلص ، وشمر في الشئ : خف ومضى .
( 8 ) حال : تحول ، والسمت : الطريق ، والقصد : الرشاد والهدى .