مجلس آخر 52
تأويل آية [ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ . قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ . قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ .
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ .
قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
، [ البقرة : 67 - 70 ] .
فقال : ما تأويل هذه الآيات ؟ وهل البقرة التي نعتت بجميع النعوت هي البقرة المرادة باللفظ الأول والتكليف واحد ، أو المراد مختلف والتكليف متغاير ؟
الجواب ، قلنا : أهل العلم في تأويل هذه الآية مختلفون بحسب اختلاف أصولهم ؛ فمن جوّز تأخير البيان عن وقت الخطاب يذهب إلى أن التكليف واحد ، وأن الأوصاف المتأخرة هي للبقرة المتقدّمة ؛ وإنّما تأخر البيان ، ولما سأل القوم عن الصفات ورد البيان شيئا بعد شيء .
ومن لم يجوّز تأخير البيان يقول : إن التكليف متغاير ؛ وإنهم لما قيل لهم : اذبحوا بقرة لم يكن المراد منهم إلّا ذبح أيّ بقرة شاءوا ، من غير تعيين بصفة ، ولو أنهم ذبحوا أيّ بقرة اتفقت لهم كانوا قد امتثلوا الأمر ، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح بقرة لا فارض ولا بكر ، ولو ذبحوا ما اختصّ بهذه الصفة من أيّ لون كان لأجزأ عنهم ، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح بقرة صفراء ، فلما لم يفعلوا كلّفوا ذبح ما اختص بالصفات الأخيرة .