وماء كلون الغسل قد عاد آجنا * قليل به الأصوات في بلد محل « 1 »
وجدت عليه الذّئب يعوى كأنّه * خليع خلا من كلّ مال ومن أهل « 2 »
فقلت له : يا ذئب هل لك في فتى * يواسى بلا منّ عليك ولا بخل ؟
فقال : هداك اللّه للرّشد ! إنّما * دعوت لما لم يأته سبع قبلي
فلست بآتيه ولا أستطيعه * ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل « 3 »
فقلت : عليك الحوض إنّي تركته * وفي صغوه فضل القلوص من السّجل « 4 »
فطرّب يستعوى ذئابا كثيرة * وعدّيت ، كلّ من هواه على شغل « 5 »
* * * وروى أن الفرزدق نزل بالغريّين فعراه بأعلى ناره ذئب ، فأبصره مقعيا يصيء ومع الفرزدق مسلوخة ، فرمى إليه بيد فأكلها ، فرمى إليه بما بقي فأكله ؛ فلما شبع ولى عنه فقال :
وليلة بتنا بالغريّين ضافنا * على الزّاد موشيّ الذّراعين أطلس « 6 »
تلمّسنا حتّى أتانا ولم يزل * لدن فطمته أمّه يتلمّس
هامش
( 1 ) قال البغداديّ : « كان النجاشيّ عرض له ذئب في سفر له ، فدعاه إلى طعام وقال له : هل لك ميل في أخ - يعنى نفسه - يواسيك في طعامه بغير من ولا بخل ؟ فقال له الذئب : قد دعوتني إلى شيء لم يفعله السباع قبلي من مؤاكلة بني آدم ، وهذا لا يمكنني فعله ، ولست بآتيه ولا أستطيعه ؛ ولكن إن كان في مائك الّذي معك فضل عما تحتاج إليه فاسقنى منه . وهذا الكلام وضعه النجاشيّ على لسان ذئب ؛ كأنّه اعتقد فيه أنّه لو كان ممن يعقل أو يتكلم لقال هذا القول . وأشار به إلى تعشقه للفلوات التي لا ماء فيها ، فيهتدى الذئب إلى مظانه فيها » والغسل : ما يغسل به من سدر ونحوه ، والآجن : الماء المتغير الطعم .
وفي المعاني « كلون البول » .
( 2 ) الخليع : الّذي خلعه أهله لجناية وتبرءوا منه .
( 3 ) البيت من شواهد الرضى على أن حذف النون من « لكن » لالتقاء الساكنين ضرورة ؛ تشبيها بالتنوين أو بحرف المد واللين من حيث كانت ساكنة . وأورده سيبويه في باب ضرورة الشعر ( الكتاب 1 : 9 ) وقال الأعلم : « حذف النون لالتقاء الساكنين ضرورة لإقامة الوزن ؛ وكان وجه الكلام أن يكسر لالتقاء الساكنين ، شبهها في الحذف بحرف المد واللين ؛ إذا سكنت وسكن ما بعدها ؛ نحو يغزو العدو ، ويقضى الحق ، ويخشى اللّه » .
( 4 ) الصغو : الجانب المائل ؛ وضبطت في الأصل بالفتح والكسر معا ، والسجل : الدلو العظيمة .
( 5 ) التطريب : ترجيع الصوت ومده .
( 6 ) ديوانه : 485 ، وحماسة ابن الشجري 208 . أطلس : أغبر تعلوه حمرة .