مجلس آخر 64
تأويل آية [ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ]
إن سأل سائل فقال : بم تدفعون من خالفكم في الاستطاعة ، وزعم أن المكلّف يؤمر بما لا يقدر عليه ولا يستطيعه إذا تعلق بقوله تعالى :
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
؛ [ الإسراء : 48 ] فإن الظاهر من هذه الآية يوجب أنهم غير مستطيعين للأمر الّذي هم غير فاعلين له ، وأن القدرة مع الفعل . وإذا تعلق بقوله تعالى :
في قصة موسى عليه السلام :
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
؛ [ الكهف : 67 ] ؛ وأنه نفى أن يكون قادرا على الصبر في حال هو فيها غير صابر ؛ وهذا يوجب أنّ القدرة مع الفعل .
وبقوله تعالى :
ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ
؛ [ هود : 20 ] .
الجواب ، يقال له : أول ما نقوله : إنّ المخالف لنا في هذا الباب من الاستطاعة لا يصحّ له فيه التعلّق بالسمع ؛ لأن مذهبه لا يسلم معه صحة السمع ، ولا يتمكن مع المقام عليه من معرفة السمع بأدلته ؛ وإنّما قلنا ذلك ؛ لأن من جوّز تكليف اللّه تعالى الكافر الإيمان وهو لا يقدر عليه لا يمكنه العلم بنفي القبائح عن اللّه عزّ وجلّ ؛ وإذا لم يمكن ذلك فلا بدّ من أن يلزمه تجويز القبائح في أفعاله وأخباره ؛ ولا يأمن من أن يرسل كذابا ، وأن يخبر هو بالكذب - تعالى عن ذلك ! فالسمع إن كان كلامه قدح في حجته تجويز الكذب عليه ، وإن كان كلام رسوله قدح فيه ما يلزمه من تجويز تصديق الكذّاب ؛ وإنّما طرق ذلك تجويز بعض القبائح عليه .
وليس لهم أن يقولوا : إن أمره تعالى الكافر بالإيمان وإن لم يقدر عليه يحسن من حيث أتى الكافر فيه من قبل نفسه ؛ لأنّه تشاغل بالكفر فترك الإيمان . وإنّما كان يبطل تعلّقنا / بالسمع لو أضفنا ذلك إليه تعالى على وجه يقبح ؛ وذلك لأن ما قالوه إذا لم يؤثّر في كون ما ذكرناه