تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
فأما قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام :
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
فظاهره يقتضي أنك لا تستطيع ذلك في المستقبل ؛ ولا يدلّ على أنّه غير مستطيع للصبر في الحال أن يفعله في الثاني . وقد يجوز أن يخرج في المستقبل من أن يستطيع ما هو في الحال مستطيع له ؛ غير أن الآية تقتضى خلاف ذلك ؛ لأنّه قد صبر عن المسألة أوقاتا ، إن ولم يصبر عنها في جميع الأوقات ، فلم تنتف الاستطاعة للصبر عنه في جميع الأحوال المستقبلة . على أن المراد بذلك واضح ، وأنّه تعالى خبّر عن استثقاله الصبر عن المسألة عما لا يعرف / ولا يقف عليه ؛ لأن مثل ذلك يصعب على النفس ؛ ولهذا نجد أحدنا إذا وجد « 1 » بين يديه ما ينكره ويستبعده تنازعه نفسه إلى المسألة عنه ، والبحث عن حقيقته ، ويثقل عليه الكفّ عن الفحص عن أمره ؛ فلما حدث من صاحب موسى ما يستنكر ظاهره استثقل الصبر عن المسألة عن ذلك . ويشهد بهذا الوجه قوله تعالى :
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً
؛ [ الكهف : 68 ] ؛ فبيّن تعالى أن العلة في قلة صبره ما ذكرناه دون غيره ، ولو كان على ما ظنوا لوجب أن يقول : وكيف تصبر وأنت غير مطيق للصبر ! فأما قوله تعالى :
ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ
فلا تعلّق لهم بظاهره ؛ لأن السمع ليس بمعنى فيكون مقدورا ، لأن الإدراك على المذهب الصحيح ليس بمعنى ، ولو ثبت أنّه معنى على ما يقوله أبو عليّ لكان أيضا غير مقدور للعبد من حيث يختصّ القديم تعالى بالقدرة عليه . هذا إن أريد بالسمع الإدراك ؛ وإن أريد به نفس الحاسة فهي أيضا غير مقدورة للعباد ؛ لأن الجواهر وما تخصّ به الحواس من البنية والمعاني ليصحّ به الإدراك ممّا ينفرد به القديم تعالى في القدرة عليه . فالظاهر لا حجّة لهم فيه .
هامش
( 1 ) ف ، حاشية الأصل ( من نسخة ) : « إذا جرى بين يديه » .