وهو القائل :
إذا « 1 » ما المرء صمّ فلم يكلّم « 2 » * وأودى سمعه إلّا ندايا « 3 »
ولاعب بالعشىّ بنى بنيه * كفعل الهرّ يحترش العظايا
يلاعبهم وودّوا لو سقوه * من الذّيفان مترعة ملايا [ 4 ]
فلا ذاق النّعيم ولا شرابا * ولا يشفى من المرض الشّفايا
أراد بقوله : « صمّ فلم يكلم » ، أي لم يسمع ما يكلّم به ، فاختصر ؛ ويجوز أن يريد أنّه لم يكلّم لليأس من استماعه فأعرض عن خطابه لذلك . وقوله : « وأودى سمعه إلّا ندايا » أراد أنّ سمعه هلك ؛ إلّا أنّه يسمع الصوت العالي الّذي ينادى به .
وأمّا قوله : « ولاعب بالعشىّ بنى بنيه » ، فإنّه مبالغة في وصفه بالهرم والخرف ، وأنه قد تناهى إلى ملاعبة الصبيان وأنسهم به . ويشبه أن يكون خصّ العشىّ بذلك لأنّه وقت رواح الصبيان إلى بيوتهم واستقرارهم فيها .
وقوله : « يحترش العظايا » / أي يصيدها ، والاحتراش أن يقصد الرجل إلى جحر الضّب فيضربه بكفّه ليحسبه الضب أفعى ، فيخرج إليه فيأخذه ، يقال : حرشت الضّبّ ، واحترشته ؛ ومن أمثالهم : « هذا أجلّ من الحرش » ، يضرب عند الأمر يستعظم ، ويتكلم بذلك على لسان الضب . قال ابن دريد : قال الضب لابنه : اتّق الحرش ، قال :
وما الحرش ؟ قال : إذا سمعت حركة بباب الجحر فلا تخرج ؛ فسمع يوما وقع المحفار فقال :
يا أبه ، أهذا الحرش ؟ فقال : « هذا أجلّ من الحرش » ؛ فجعل مثلا للرجل إذا سمع الشيء الّذي هو أشدّ ممّا كان يتوقّعه .
هامش
( 1 ) الأبيات في طبقات الشعراء : 30 ، وحماسة البحتري 324 ( ورواها همزية ) ، ومعجم الشعراء :
213 ، وفي حاشية الأصل : « ذكر سر قال : « قرأت س قال : قرأت بخط عبد السلام البصري رحمه اللّه أن هذه القطعة : إذا ما المرء . . . لعثكلان بن ذي كواهن الحميري » .
( 2 ) في الطبقات ومعجم الشعراء « فلم يناجى » .
( 3 ) في حاشية الأصل ، ت : « إنّما قلب الهمزة في ندايا وشفايا وغيرهما ياء لأنه لو قال : شفاء لكانت تحصل همزة يكتنفها ألفان ، والألف قريب من الهمزة ، فإذا اجتمع ألفان مع همزة صار كأنّه قد حصل قريب من الهمزتين ؛ فلما كان كذلك أبدل من الهمزة ياء » .