14 مجلس آخر [ المجلس الرابع عشر : ]
تأويل آية [ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ . . . ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى :
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ ، وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا ، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ؛ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
؛ [ البقرة : 177 ] .
فقال : كيف ينفى كون تولية الوجوه إلى الجهات من البرّ ، وإنّما يفعل ذلك في الصلاة ، وهي برّ لا محالة ؟ وكيف خبّر عن البرّ « بمن » والبرّ كالمصدر ، و « من » اسم محض ؟ وعن أيّ شيء كنّى بالهاء في قوله تعالى :
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ
؟ وما المخصوص بأنها كناية عنه وقد تقدمت أشياء كثيرة ؟ وعلى أيّ شيء ارتفع
الْمُوفُونَ
؟ وكيف نصب
الصَّابِرِينَ
، وهم معطوفون على الموفين ؟ وكيف وحّد الكناية في مواضع وجمعها في أخر ؟ فقال :
مَنْ آمَنَ
و
آتَى الْمالَ
و
أَقامَ الصَّلاةَ
، ثمّ قال :
وَالْمُوفُونَ
، و
الصَّابِرِينَ
؟ .
يقال له : فيما ذكرته أوّلا جوابان :
أحدهما أنّه أراد تعالى : ليس الصّلاة هي البرّ كلّه ؛ لكنه ما عدّد في الآية من ضروب الطاعات وصنوف الواجبات ، فلا تظنوا أنكم إذا توجّهتم إلى الجهات بصلاتكم ، فقد أحرزتم البرّ بأسره ، وحزتموه بكماله ، بل يبقى عليكم بعد ذلك معظمه وأكثره .
والجواب الثاني أن النّصارى لما توجّهوا إلى المشرق ، واليهود إلى بيت المقدس ، واتخذوا