[ 6 ] مجلس آخر [ المجلس السادس : ]
تأويل آية [ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ]
إن سأل سائل فقال : ما عندكم في تأويل قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
؛ [ هود : 118 ، 119 ] .
وظاهر هذه الآية يقتضي أنّه تعالى ما شاء أن يكونوا أمة واحدة وأن يجتمعوا على الإيمان والهدى ؛ وهذا بخلاف ما تذهبون إليه ؛ ثم قال :
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
فلا يخلو من أن يكون عنى أنّه للاختلاف خلقهم ، أو للرحمة ؛ ولا يجوز أن يعنى الرحمة ؛ لأن الكناية عن الرحمة لا تكون بلفظة « ذلك » ؛ ولو أرادها لقال : ولتلك خلقهم ، فلما قال
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
كان رجوعه إلى الاختلاف أولى . وليس يبطل حمل الآية على الاختلاف من حيث لم يكن مذكورا فيها ؛ لأن الرحمة أيضا غير مذكورة فيها ، وإذا جعلتم قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ
دالّا على الرحمة فكذلك قوله :
مُخْتَلِفِينَ
دالّ على الاختلاف ؛ على أن الرحمة هي رقة القلب والشفقة ؛ وذلك لا يجوز على اللّه تعالى ، ومتى تعدّى بها ما ذكرناه ، لم يعن بها إلّا العفو وإسقاط الضرر ، وما جرى مجراه « 1 » عن مستحقّه ، وهذا ممّا لا يجوز أن يكونوا مخلوقين له على مذهبكم ، لأنّه لو خلقهم للعفو لما حسن منه عقاب المذنبين ومؤاخذة المستحقين .
الجواب ، يقال له : أما قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ
فإنما عنى به المشيئة التي ينضمّ إليها الإلجاء ، ولم يعن المشيئة على سبيل الاختيار ، وإنّما أراد تعالى أن يخبرنا عن قدرته ، وأنّه ممّن لا يغالب ، ولا يعصى مقهورا ؛ من حيث كان قادرا على إلجاء العبيد ، وإكراههم على ما أراد منهم .
فأما لفظة « ذلك » في الآية فحملها على الرحمة أولى من حملها على الاختلاف ؛ لدليل
هامش
( 1 ) د ، حاشية ت ( من نسخة ) : « مجراهما » .