تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
وقوله : « قالا » من القيلولة لا من القول ، على أن قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ
كما يدلّ على الرحمة يدلّ أيضا على « أن يرحم » ، فإذا جعلنا الكناية بلفظة « ذلك » عن أن يرحم كان التذكير في موضعه ؛ لأن الفعل مذكر ، ويجوز أيضا أن يكون قوله تعالى
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
كناية عن اجتماعهم على الإيمان ، وكونهم فيه أمة واحدة ؛ ولا محالة أنّه لهذا خلقهم ؛ ويطابق هذه الآية قوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
؛ [ الذاريات : 56 ] . وقد قال قوم في قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً
معناه أنه لو شاء أن يدخلهم أجمعين الجنة ، فيكونوا في وصول جميعهم إلى النعيم أمة واحدة ، وأجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
؛ [ السجدة : 13 ] . في أنّه أراد : هداها إلى طريق الجنة ، فعلى هذا التأويل أيضا يمكن أن ترجع لفظة « ذلك » إلى إدخالهم أجمعين إلى الجنة ، لأنّه إنّما خلقهم للمصير إليها والوصول إلى نعيمها . فأما قوله تعالى :
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ
فمعناه الاختلاف في الدين والذهاب عن الحق فيه بالهوى والشبهات . وذكر أبو مسلم ابن بحر في قوله :
مُخْتَلِفِينَ
وجها غريبا وهو أن يكون معناه أن خلف هؤلاء الكافرين يخلف سلفهم في الكفر ، / لأنّه سواء قولك : خلف بعضهم بعضا ، وقولك : اختلفوا « 1 » ، وسواء قولك : قتل بعضهم بعضا ، واقتتلوا ؛ ومنه قولهم : لا أفعل كذا ما اختلف العصران والجديدان ، أي جاء كلّ واحد منهما بعد الآخر . فأمّا الرحمة فليست رقة القلب كما ظنه السائل ، لكنها فعل النّعم والإحسان ، يدلّ على ذلك أنّ من أحسن إلى غيره ، وأنعم عليه يوصف بأنّه رحيم به ، وإن لم يعلم منه رقة قلب عليه ، بل وصفهم بالرحمة من لا يعهدون منه رقّة القلب أقوى من وصفهم الرقيق القلب بذلك ؛ لأنّ مشقة النعمة والفضل والإحسان على من لا رقّة عنده أكبر منها على الرقيق القلب ، وقد علمنا أنّ من رقّ قلبه لو امتنع من الإفضال والإحسان لم يوصف بالرحمة ، وإذا أنعم
هامش
( 1 ) حاشية الأصل : « سمى الاختلاف اختلافا لأن الكلام يخلف بعضه بعضا » .
أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 73 | الشريف المرتضى / محمد ابوالفضل ابراهيم / محمد أبو الفضل إبراهيم