في الكبير عن ابن عمر : ( إنّ حبشيّا دفن بالمدينة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم دفن بالطينة التي خلقه اللّه منها ) ، وأخرج البزار والحاكم عن أبي سعيد ، إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مرّ في المدينة فرأى جماعة يحفرون قبرا فسأل عنه ، فقالوا : حبشي قد مات ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ( لا إله إلّا اللّه سيق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها ) » « 1 » .
أقول : يظهر من هذه العبارة أنّ السيوطي لم يتمسك لإثبات هذا الكذب إلّا بهذه الأخبار ، التي لا رائحة فيها من إتحاد طينة الشيخين بطينة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وإنّه لم يذكر هناك مع هذا الوله والشغف بإثباته ، أو تشبث بما هو في غاية البعد عن مضاهاته ومضارعته ، وإثباته ومساعدته ما هو صريح فيه ، بل هو عينه ، وهو الذي أخرجه الخطيب وابن عساكر والديلمي كما في اللآلئ المصنوعة مفصلا ، ومختصر تنزيه الشريعة وتذكرة الكجراتي مجملا .
فليس ترك السيوطي في النكت لهذه الطرق الطريفة في هذا الكذب المتحدة به ، إلّا لعثوره على وهنها وقدحها وسخافتها وركاكتها وردائتها ، وإلّا فمن البعيد المستهجن أن يتشبث المحدث المنقد في إثبات مرام بما هو بعيد عنه غاية البعد ، بل لا مساس له به عند المتأمّل ، ويترك ما هو صريح فيه ناصّ عليه ، ولا سيّما مع العثور والاطلاع عليه ! ، فليس ترك ذلك إلّا لعلمه بأنّه مقدوح مجروح ، لا طائل تحت ذكره ، كما بينّا عند الإتيان على كلامه في اللآلئ .
هامش
( 1 ) النكت البديعات للسيوطي : 278 ( 297 ) ، وانظر تاريخ بغداد للخطيب : 3 / 115 ( 1114 ) ، تاريخ دمشق لابن عساكر : 44 / 120 ، 121 ، نوادر الأصول للحكيم الترمذي :
1 / 767 ، 268 ، الأصل الثاني والخمسون ، المجالسة للدينوري : 2 / 39 ( 190 ) ، كشف الأستار : 1 / 396 ، مستدرك الحاكم : 1 / 368 .