فقالت النار للجنّة : أنا أعظم منك قدرا ، قالت : بماذا ؟ ، قالت : لأنّ فيّ الفراعنة والجبابرة والملوك وأبنائهم ، فأوحى اللّه إلى الجنّة أن قولي : بل لي الفضل إذ زيّنني اللّه بأبي بكر وعمر ) أخرجه الحافظ أبو الحسن عليّ بن نعيم البصري » « 1 » إنتهى .
ولو أعطى أحد من النقلاء الإنصاف من نفسه ، وبذل التأمّل في هذه العبارة المصنوعة ، وتدبّر في مبانيها أو معانيها ، لوضح له الحقّ وضوحا ظاهرا ، وأسفر له الصّدق إسفارا باهرا .
فإنّه مع قطع النظر عمّا فيه من ركاكة ما تضمنه من قول النار وتفاخرها على الجنّة بوجه ركيك سخيف ، هو في الحقيقة دليل على مرجوحيتها ومفضوليتها ، صريح في أفضليّة الشيخين على سائر الخلق حتى الأنبياء والمرسلين ، بل يدلّ على رجحانهم على سيّد النبيّين وخاتم الهداة المكرمين ! .
حيث يظهر منه أنّه معاذ اللّه لم يجد اللّه تعالى في مقابلة النار حجّة تفيء ، ودلالة تضيء في إثبات فضيلة الجنّة ، حتى يلقاها غير أنّ الجنّة مزيّنة بالشيخين ، فهذا هو الدليل على أفضليتها على النار ، فإنّه لو كان هناك دليل أفضل من هذا لكان أولى بأن يلقى بها اللّه تعالى الجنّة ، وإلّا لزم ترجيح المرجوح على اللّه تعالى ! ، وهو عبث بل قبيح وهو تعالى منزّه عن ذلك ، فثبت أنّه ليس على أفضلية الجنّة على النار دليل أفضل وأسنى من أنّها تزينت بالشيخين ، وذلك دليل أفضليتهما على سائر الأنبياء والمرسلين ، فإنّهم لو كانوا أفضل منهما كان تزين الجنّة بهم أعلى دليل وأسنى برهان على أفضليتها من النار .
هامش
( 1 ) الاكتفاء للوصابي : مخطوط .