فظهر من هذه العبارة ! إنّ ما رواه أحمد صريح في أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أعرض عن كلام عمر مرتين ، وإنّه عرض بوجهه الشريف غم بكلامه حتى ذهب بما قاله أبو بكر ، فهذا دليل على سقوط درجة عمر ، وقلة احتفال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بشأن عمر ، وإستهانته وإستخفافه وعدم إكرامه ، فإنّ الإعراض عن كلام الرجل وعدم إجابته والغمّ والحزن والمساءة بجوابه دليل على ما قلنا بلا شبهة .
وأيضا فيه برهان واضح على جسارة عمر ، وقلّة حيائه ، وفقدان تأدبه ، وعدم مهابته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، حتى اجترء على جواب كلامه الشريف ثانيا بمثل ما أجاب به أولا ، مع أنّه قد أعرض عنه أولا ولم يلتفت إليه ، فهذا الحديث أولى بأن يكون طعنا وثلبا لعمر من أن يكون مدحا وثناء كما ظنّه المحبّ الطبري وأمثاله من قلة تدبّرهم وفقد تأمّلهم ! .
وإذا رأيت هذا فأعلم ! إنّه روى هذا الخبر صاحب إزالة الخفاء بسياق أشنع ممّا سبق ، فقال :
« أخرج مسلم وأبو داود والترمذي ، عن عبد اللّه بن عباس ، قال :
( حدّثني عمر بن الخطاب ، قال : لمّا كان يوم بدر نظر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة ، فاستقبل نبيّ اللّه القبلة ثمّ مدّ يديه وجعل يهتف لربّه مادّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداءه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ، ثمّ التزمه من ورائه ، قال : يا نبيّ اللّه أكذلك مناشدتك ربّك فانّه ينجز لك ما وعدك ، فأنزل اللّه
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ