إذا كانت المعرفة مرتكز الإيمان ، فإنّ الإيمان مرتكز الإنفاق ، إذ لا قيمة لإنفاق بغير إيمان ، ولغير وجه اللّه .
والإيمان ليس فقط يوجّه الإنفاق إلى أهدافه الصحيحة ، ويجعله ضمن منطلقاته ودوافعه المطلوبة ، بل هو الذي يعطي الإنسان - أيضاً - الإرادة على تجاوز حرص النفس وشحّها ، وتحدي الضغوط المعاكسة . فالمؤمن يعطي في سبيل اللّه لاعتقاده بأن ذلك يؤدي إلى النماء ، وإلى الجنة ، وإلى رضوان اللّه وهو الأهم ، فلا يعتبر إنفاقه خسارة ، بل هو ربح في الواقع والمستقبل ، ثم هب أنّه لم يحصل على نماء في الدنيا فإنّه سوف يجد أجراً كريماً في الآخرة .
ومن الحوافز الموضوعية إلى الإنفاق - بالإضافة إلى الإيمان - هو المعرفة الراسخة بأننا لا ننفق من عند أنفسنا ، إنّما ننفق من ملك اللّه الذي استخلفنا فيه ، فلماذا الشح ما دام الآمر بالإنفاق هو اللَّه المالك ؟ . لذلك يؤكّد القرآن قائلًا : مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ .
وقد قيل في مُسْتَخْلَفِينَ معنيان :
الأول : إنّ الإنسان يأتي خلفاً لسلف في الملك ، فيكون المعنى : أنفقوا من قبل أن يستخلف اللّه أحداً غيركم بإماتتكم ، أو نقل مالكم إليه .
الثاني : إنّكم لستم الذين تملكون الأموال حقًّا ، بل اللّه هو المالك لها ، وإنما أذن لكم بالتصرّف فيها ، وخوّلكم صلاحية العمل فيها ، كما لو كنتم خلفاءه فيها .
وكلا المعنيين سواء في التحريض على الإنفاق .
فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ، أما الذي يؤمن ولا ينفق فإنْ كان امتنع عن الإنفاق الواجب فله العذاب ، وإن كان قد ترك الإنفاق المندوب فإنّ أجره لن يكون كأجر المنفقين .
4 - عقبى الرياء في الإنفاق
المترفون من طبقة الأغنياء ينفقون المال ، ولكن لمن ؟ . ولماذا ؟ .
إنهم ينفقون المال لأولئك المتملقين الذين يُكيلون لهم الثناء الباطل بغير حساب ،