وأنتم تزعمون أن العبد ما كان مختارا قط ولا كان له فعل على الحقيقة فما معنى قولكم ان العباد مجبورون .
وقد زاد على هذا أصحاب أحمد بن حنبل ان اللّه جسم مستقر على عرشه بجوارح بشرية وبعضهم قال إن اللّه ينزل إلى الأرض في صورة شاب ورووا في ذلك اخبارا كثيرة يكذبها العقل والنقل ولم يتعرض الشهرستاني ولا غيره من علمائهم لنسبة هذا القول السخيف الا إلى فرقة من فرق الشيعة لأجل التشنيع بها عليهم وقد كان الواجب عليهم نسبة هذا القول أيضا إلى أصحاب الحنبلي والا فنحن نبرأ من تلك الفرقة من الشيعة الذين يقولون بالجسم ونكفرهم ونلعنهم وأنتم لا تكفرون أصحاب الحنبلي ولا تبرأون منهم بل ادرجتموهم في الفرقة الناجية وهم الأشاعرة بزعمكم .
ومما يستدل على بطلان مقالتهم من أنه لا فاعل في العالم سوى اللّه انه يلزم ان يكون اللّه تعالى قد ارسل الرسل إلى نفسه وانزل الكتب على نفسه وكان كل وعد ووعيد وتهديد صدر على لسان الملائكة والأنبياء والرسل فإنه يلزم ان يكون قد وعد نفسه وتوعدها وهددها ولم يذهب إلى هذا عاقل ، وأيضا إذا جاز على زعمكم ان اللّه يضلّ العباد ويجبرهم على الفساد ويصدق بالمعجزات الكذابين كيف يبقى لهم طريق إلى اثبات نبوة نبيهم وغيره من الأنبياء ومن اين يعرفون صحة شريعته ؟ ومن اجل لزوم هذا عليهم قال صاحب الكشاف في كتاب الفائق فاما المجبرة فان شيوخنا كفروهم وحكى قاضي القضاة عن الشيخ أبي علي أنه قال لمجبر كافر ومن شك في كفره فهو كافر ومع هذا أتزعمون أن صاحب الكشاف والشيخ ابا علي من أهل الجنة ومن أهل السنة والجماعة وكل منكم يكفر الاخر ، ولكن هذا القول هنا لكم فيه مطمح نظر في محل آخر وهو حروب الصحابة وتكفير بعضهم بعضا وقتله له مع أنهم كلهم محقون ومن أهل الجنة .
والعجب انهم صرحوا بأنه يجوز من اللّه في عدله وحكمته ان يجمع الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين فيخلدهم في النار ويجمع الكفار والملاحدة والمنافقين وإبليس وجنوده فيخلدهم في الجنة والنعيم ، وقالوا إن هذا انصاف منه وعدل وقد بنوا هذا على ذلك الأصل الفاسد وهو ان افعالهم من فعل اللّه فيهم وانهم بريئون منها بحيث لا يلامون على ما فعلوا فإذا كان الحال هكذا وجب على الأنبياء ان يعذروهم في ترك قبول أقوالهم وأعجب منم هذا انهم قالوا متى اعتقدنا ان افعال العباد منهم صار العباد شركاء للّه فاقتضى التعظيم للّه أن تكون الافعال كلها التي من بني آدم وغيرها من اللّه فهذا اجلالهم لربهم وهو ان يصدر منه ما يصدر
الأنوار النعمانية — صفحة 176
مساهمون: السيد نعمة الله الجزائري
ص١٧٦