فان قلت ما معنى بكاء البقاع والأبواب ونحوها من الجمادات قلت قد ذكر له معان :
أولها ان البكاء الصادر منها انما هو بلسان الحال لا المقال ومثل هذا قد ورد في لسان العرب كثيرا وذلك انهم ينسبون البكاء على الأحباب إلى منازلهم واطلالهم ونحوها وثانيها ان الافعال المنسوبة إلى الجمادات كالبكاء والتسبيح والتقديس وغير ذلك انما هو في الحقيقة لأهلها ولمن حل بها وهو من المجازات المشهورة .
وثالثها ان اللّه سبحانه قد ركب في الجمادات نوعا من العلم والشعور للخضوع والانقياد لخالقا وبارئها وان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ومن هذا قال بعضهم ان تسبيح الحصاة في كفّه صلّى اللّه عليه وآله ليس باعجاز انما الاعجاز في اسماعه الصحابة وهذا هو الذي دلّت عليه الاخبار فلا عدول عنه .
وبالجملة فرقيب وعتيد يكتبان عليه من أول بلوغه إلى أربعين سنة ولكن يسامحونه هذه المدة ولا يشددان عليه في امر الكتابة لتظافر دواعي الشهوات والآثام فإذا بلغ الأربعين أوحى اللّه إلى ملكيه ان اكتبا وتحفظا على اعماله ولا تسامحوه في شيء فقد روى أن الذنب الواحد ربما كتبوه في سبعة ارقعة وذلك لقلة الدواعي وللاخذ في انقاص الشهوات فإذا اتى ذنبا فقد اتاه من وجه شقائه لا من حيث الشهوة وكلما بلغ سنّه زاد التشديد عليه ومن هذا قال عليه السّلام اني لا عجب كل العجب من رجلين واللّه يبغضهما فقير متكبر وشيخ زان وفي الرواية ان الرجل إذا شابت لحيته وبقي على ما كان عليه من مقارفة الذنب اتاه الشيطان ووقف بحياله وقال بأبي وجها لا يفلح ابدا أنت مناي ومرادي فيسرجه ويلجمه ويركب على ظهره ويورده موارد الهلاك وربما نزل عنه وقال إن ظهره لنا متى أردنا ركبناه .
ويجب على من دخل تحت قلم التكليف ان يبادر إلى البحث والفحص عن أحوال طريقه ومذهبه الذي يوصله إلى النجاة لان الأديان والمذاهب قد تشعبت بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وكل فرقة ادعت انها هي المحقة وانها من أهل الجنة وفسقت أو كفرت غيرها وفي الطريق المتواتر عن النبي صلّى اللّه عليه وآله ان أمة موسى افترقت بعده احدى وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار وان في أمة عيسى افترقت بعده اثنين وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار وان أمتي ستفترق بعدي ثلاثا وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار ، وقد اخبر صلّى اللّه عليه وآله عن افتراق الأمة بعده وابتداعهم الأديان ورجوعهم القهقرى وإلى هذا أشار قوله تعالى
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ .
وقد ذهب جمهور المخالفين إلى أن اختلاف الأمة بعده صلّى اللّه عليه وآله هو الأصلح والأولى بحالهم واستدلوا عليه بالكتاب والسنة اما الكتاب فقوله تعالى
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ