وفعل معاوية بالشام والجزيرة واليمن مثل ما فعل بالعراق من استصفاء
ما كان للملوك من الضياع وتصييرها لنفسه خالصة ، وأقطعها أهل بيته
وخاصته . وكان أول من كانت له الصوافي في جميع الدنيا ، حتى بمكة
والمدينة ، فإنه كان فيهما شئ يحمل في كل سنة من أوساق التمر والحنطة ( 147 ) ،
وأقطع فدكا مروان خاصة ( 148 ) .
ثم شدد النكير على من ناوأه ، ولما صار إلى المدينة أتاه جماعة من بني
هاشم ، وكلموه في أمورهم ، فقال : أما ترضون يا بني هاشم أن نقركم على
دمائكم وقد قتلتم عثمان حتى تقولوا ما تقولون ؟ فوالله لأنتم أحل دما من كذا
وكذا ، وأعظم في القول . فقال له ابن عباس : كل ما قلت لنا يا معاوية من
شر بين دفتيك ، أنت والله أولى بذلك منا ، أنت قتلت عثمان ، ثم قمت
تغمص على الناس أنك تطلب بدمه . فانكسر معاوية . . الحديد . ثم
كلمه الأنصار ، فاغلظ لهم في القول ، وقال لهم : ما فعلت نواضحكم ؟ قالوا :
أفنيناها يوم بدر لما قتلنا أخاك وجدك وخالك ، ولكنا نفعل ما أوصانا به رسول
الله . قال : ما أوصاكم به ؟ قالوا : أوصانا بالصبر . قال : فاصبروا .
ثم أدلج معاوية إلى الشام ولم يقض لهم حاجة ( 149 ) .
وأمر معاوية بمنبر النبي صلى الله عليه وآله أن يحمل من المدينة إلى الشام وقال : لا
يترك هو وعصا النبي بالمدينة ، وهم قتلة عثمان ، وطلب العصا ، وحرك المنبر
فكسفت الشمس فتركهما . وقيل : إن الصحابة منعوه عن ذلك ( 150 ) .
وكان أشد الناس بلاء يومذاك شيعة علي خاصة ، فقد كان أمر ولاته
بلعن علي على المنبر ، وقال للمغيرة بن شعبة لما ولاه الكوفة سنة إحدى
هامش
( 147 ) المصدر السابق ص 234 و ( الوسق ) بفتح أوله وثانيه : ستون صاعا أو حمل بعير .
( 148 ) المصدر السابق ص 305 .
( 149 ) اليعقوبي ط . دار بيروت 2 / 223 والنواضح ، مفردها الناضح : البعير يستقى عليه .
( 150 ) ابن الأثير 3 / 199 ، ومروج الذهب . ط . السعادة 3 / 35 .