وأربعين قد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك ، ولست
تاركا إيصاءك بخصلة ، لا تترك شتم علي وذمه ، والترحم على عثمان
والاستغفار له ، والعيب لأصحاب علي والاقصاء لهم ، والاطراء لشيعة عثمان
والادناء لهم ( 151 ) .
فأقام المغيرة على الكوفة عاملا لمعاوية لا يدع شتم علي والوقوع فيه ،
والدعاء لعثمان والاستغفار له . وكان حجر بن عدي يرد عليه ، ثم توفي
المغيرة ، وولي زياد مكانه ، فوقع بينه وبين حجر ما وقع مع المغيرة . وفي رواية
أن زيادا أطال يوما الخطبة ، وأخر الصلاة ، فخشي حجر أن تفوت الصلاة ،
فنادى : الصلاة ، فاستمر زياد في خطبته ، فنادى حجر : الصلاة ، إلى ثلاث
مرات ، فضرب حجر يده إلى كف من الحصى في وجه زياد ، وثار إلى الصلاة ،
وثار الناس معه إلى الصلاة ، فقطع زياد خطبته ، وصلى بهم ، ثم أمر الشرط
أن يأتوا به ، فمنعه قومه وأخفوه ، حتى استأمنوا له على أن يرسله إلى معاوية ،
فأجابهم إلى ذلك ، فسجنه وأحد عشر من أصحابه ، ثم كتب عليه شهادة أنه
شتم الخليفة ، ودعا إلى حربه ، وأخرج عامله . . وشهد عليه بعضهم في
الكتاب ، وكتب في الشهود اسم شريح بن هانئ ، ثم أرسلهم مع
الكتاب إلى معاوية ، فلحق بهم شريح ، فلما بلغوا إلى معاوية قرأ
الشهادة على حجر ، وقرأ كتاب شريح ، فإذا فيه : بلغني أن زيادا كتب
شهادتي ، إن شهادتي على حجر أنه يقيم الصلاة ، ويؤتي الزكاة ، ويديم
الحج والعمرة ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، حرام الدم والمال ، فإن
شئت فاقتله ، وإن شئت فدعه . فقال معاوية : أما هذا فقد أخرج نفسه من
شهادتكم ، وحبس القوم بمرج عذراء ( * ) ، وشفع خواص معاوية في بعضهم
فأطلقهم ، وبعث إلى من بقي منهم يعرض عليهم البراءة من علي ، واللعن له
وإلا قتلهم ، فقالوا : لسنا فاعلين ذلك ، فحفروا لهم القبور ، وأحضرت
هامش
( 151 ) تاريخ الطبري ، ط . أوروبا 2 / 113 .
( * ) مرج عذراء : حوالي دمشق .