وكان مكث أبي ذر في الشام سنة واحدة ، فقد ذكر المؤرخون أن تسفيره
من المدينة إلى الشام كان سنة تسع وعشرين ، وفي سنة ثلاثين شكاه معاوية
إلى عثمان ، فجلبه إلى المدينة ، ثم نفاه إلى الربذة ، فتوفي بها سنة إحدى
وثلاثين ، أو اثنتين وثلاثين .
وما أوردنا من أسباب إبعاد أبي ذر إلى الشام ، ثم جلبه إلى المدينة ، ونفيه
إلى الربذة هو الصحيح . وما أورده الطبري في ذلك ( 85 ) موضوع وضعه " سيف
هامش
( 85 ) قال الطبري في 5 / 66 . " وفي هذه السنة أعني سنة ثلاثين كان ما ذكر من أمر أبي ذر ،
واشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة ، وقد ذكر في سبب اشخاصه إياه منها إليها
أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها ، فأما العاذرون معاوية في ذلك فإنهم ذكروا في ذلك قصة
كتب إلي بها السري يذكر أن شعيبا حدثه عن عطية عن يزيد الفقعسي قال : لما ورد " ابن
السوداء " الشام لقي أبا ذر فقال : يا أبا ذر . ألا تعجب إلى معاوية . . . الحديث ، ثم أورد قصة
" عبد الله بن سبأ " الذي لقبه سيف ب " ابن السوداء " وقد بحثنا فيها وبينا زيفها في كتابنا
" عبد الله بن سبأ المدخل " فراجعه ، وأشرنا إلى ذلك في ص 272 278 من هذا
الكتاب .
واقتدى بالطبري من جاء بعده من المؤرخين فقد قال ابن الأثير في 3 / 43 من تاريخه :
" وفي هذه السنة كان ما ذكر في أمر أبي ذر واشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة ،
وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة من سب معاوية إياه ، وتهديده بالقتل ، وحمله إلى المدينة
من الشام بغير وطاء ، ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع لا يصح النقل به ، ولو صح لكان
ينبغي أن يعتذر عن عثمان ، فان للامام أن يؤدب رعيته ، وغير ذلك من الاعذار ، لا أن
يجعل ذلك سببا للطعن عليه . كرهت ذكرها ، وأما العاذرون فإنهم قالوا . . " الحديث .
ثم أورد قصة " ابن سبأ " وكذلك فعل ابن كثير ، وابن خلدون ، وغيرهما .
وإذا رجعنا إلى كلام الطبري هاهنا عرفنا أنه لم يترك الأمور الكثيرة لعدم صحتها ، بل
لكرهه ذكرها . ورجح ذكر ما رواه العاذرون معاوية والتي وصفها بأنها " قصة " لما وجد فيها
عذرا لمعاوية .
وكذلك فعل ابن الأثير ، فإنه بعدما لمح إلى الأمور الكثيرة التي ذكروها في قصة أبي ذر
لم يضعف سندها وإنما رأى أنه لا يصح النقل بها ، لما في نقلها من عيب على السلطة .
ولكننا اليوم لسنا بصدد العيب على أحد ، كما لا نبحث عن عذر الاشخاص ، وإنما نبحث
عن واقع الحوادث التاريخية بغية العلم والمعرفة ، ولا نقر هؤلاء الاعلام على كتمهم
الحقائق طلبا للعذر ودفعا عن السلطة .