إذا بفارس قد طلع عليهم على فرس مطهّم « 1 » وبيده رمح طويل ، فصرخ فيهم بأعلى صوته : يا معاشر عنزة ، قد جاء الموت الزؤام « 2 » ، عساكر الدولة العثمانية تجبّهت عليكم بخيلها ورجلها ، وهاهم على أثري مُقبلون ، فارحلوا وما أظنّكم تنجون منهم .
فألقى اللَّه عليهم الخوف والذلّ حتّى أنّ الرجل يترك بعض متاع بيته استعجالًا بالرحيل ، فلم تمض ساعة حتّى ارتحلوا بأجمعهم ، وتوجّهوا نحو البرّ .
فقلت له : صف لي الفارس .
فوصف لي ، وإذا هو صاحبنا بعينه ، وهو الفارس الذي جاءنا ، والحمد للَّهرب العالمين ، والصلاة على محمّدٍ وآله الطاهرين ، حرّره الأقلّ ميرزا صالح الحسيني « 3 » .
78 - ومنه :
قال العالم الجليل المولى على الرشتي « 4 » - طاب ثراه - : رجعت مرّة من زيارة أبي عبداللَّه عليه السلام عازماً للنجف الأشرف من طريق الفرات ، فلمّا ركبنا في بعض السفن الصغار التي كانت بين كربلاء وطويريج ، رأيت أهلها من أهل حلّة ومن طويريج ، تفترق طريق الحلّة والنجف ، واشتغل الجماعة باللهو واللعب والمزاح ، رأيت واحداً منهم لا يدخل في عملهم ، عليه آثار السكينة والوقار ، لا يمازح ولا يضاحك ، وكانوا يعيبون على مذهبه ويقدحون فيه ، ومع ذلك كان شريكاً في أكلهم وشربهم ، فتعجّبت منه ؛ إلى أن وصلنا إلى محلّ كان الماء قليلًا فأخرجَنا صاحبُ السفينة ، فكنّا نمشي
هامش
( 1 ) - المُطهَّم : المنتفخ الوجه . « النهاية ج 3 ص 147 » . .
( 2 ) - الزؤام : العاجل . .
( 3 ) - جنّة المأوى ( المطبوع مع البحار ج 53 ص 288 - 290 ) . .
( 4 ) - وصفه المحدّث النوري بالعالم الجليل والحبر النبيل مجمع الفضائل والفواضل الصفيّ الوفيّ ، وقال : كانعالماً برّاً تقيّاً زاهداً حاوياً لأنواع العلم ، بصيراً ناقداً ، من تلامذة السيّد السند ، الأستاذ الأعظم دام ظلّه . ولمّا طال شكوى أهل الأرض حدود فارس ومن والاه إليه من عدم وجود عالم عامل كامل نافذ الحكم فيهم أرسله إليهم . عاش فيهم سعيداً ومات هناك حميداً ، رحمه الله . وقد صاحبته مدّة سفراً وحضراً ولم أجد في خلقه وفضله نظيراً إلّايسيراً . .