بقاؤها إلى إبقاء الفاعل كالبناء من الباني ، بل من قبيل إفاضة النور قوامه ببقائه ، ففيه إشارة إلى بيان التوحيد الأفعاليّ .
وقوله تعالى : « ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد » تأكيدٌ لما سبق ، فإنّه إذا كان صمداً غنيّاً عمّا سواه لم يكن له والد ، وإلّالم يكن غنيّاً ، وإذا كان أفعاله كما مرّ ، لم يكن له كفواً أحد من عباده .
ويدلّ على كونهما تأكيداً تغييرُ التعبير ، ففيهما أُتي بالعاطف دون ما تقدّمهما ، فلا تغفل .
وقريب من سورة الإخلاص في الفضيلة والاشتمال على مراتب التوحيد آيةُ الكرسي « 1 » ، فإنّ قوله تعالى : « اللَّه لا إِلهَ إِلّا هُوَ » يفيد رتبَتي التوحيد الذاتي والصفاتي بالتقريب المتقدّم . وقوله جلّ ذِكره : « الْحَيُّ الْقَيُّومُ » يفيد التوحيد الأفعالي ، لأنّ حياته تعالى منشأيّته للآثار ، وقيّوميّته بقاؤها به .
وهذا سرّ ما في كثير من الأخبار من أنّ الاسم الأعظم هو الحيّ القيّوم « 2 » ، فإنّ الاسم هو ما يدلّ على المسمّى ويكشف عنه ، فكلّ ما كان لصفات المسمّى أشمل ، كان دلالته أتمّ وأعظم ، وكلّ موجود خفيّ أو جليّ ، دنيّ أو عليّ ، أرضيّ أو سماويّ ، مجرّد أو مادّيّ ، ملكيّ أو ملكوتيّ ، كلّها موجودة بهذين الاسمين المباركين ، وكلّ شيء تراه تراهما فيه .
وبالتأمّل في ذلك يتّضح لك وجه كون الإمام عليه السلام الاسم الأعظم ، فإنّ منه يظهر تمام صفاته ، وهو مرآة عظيمة ينعكس فيه تمام آياته .
وقوله جلّت عظمته : « لَهُ ما فِي السماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ » إلى آخر الآية ، تدلّ على التوحيد الالوهيّ ، كما لا يخفى على المتأمّل فيه وفيما تقدّم .
هامش
( 1 ) - البقرة : 255 . .
( 2 ) - مهج الدعوات : 317 ، عنه البحار : 93 / 223 . .