صفاته عين ذاته ، لأنّها لو كانت زائدة لزم التجزّي وهو باطل ، لاستلزامه الاحتياج المنافي للقِدم ، والدور محال ؛ وتكثّر الصفات مع اختلاف معانيها لا يأبى عن وحدة الموصوف من جميع الوجوه ، إذ اختلافها بحسب المفاهيم مع قطع النظر عن كونها وصفاً لذاته المقدّسة ، فهي بهذا الاعتبار مجهول الكنه كالذات .
ولا يختلج ببالك أنّه إذا كان الأمر كذلك ، كان قولنا « اللَّه عالم » يفيد فائدة قولنا « اللَّه اللَّه » ، لأنّ اختلاف الصفات فيما نتصوّره بإدراكنا إنّما هو في حدّ الإمكان ، فإنّها منبعثة عن الملكات المتفاوتة ، فإنّا إذا رأينا زيداً يقتحم الصفوف ولا يهوله حدّ الأسنّة والسيوف ، علمنا أنّ له ملكةً راسخة في نفسه يهون عليه معها البلاء ، ولا يبالي بكثرة الأعداء ، وتسمّى تلك الملكة شجاعة . وإذا رأيناه ينفق جُلّ ماله ولا يخشى إملاق نفسه وعياله ، علمنا أنّ له ملكة راسخة يسهل معها إنفاق المال ولا يخاف بعده الإملاق والاستيصال ، وتسمّى تلك الملكة سخاوة ، وظاهر أنّ هذه الملكة غير تلك ، وإلّا لما اختلف آثارهما .
وأمّا في مقام الوجوب ، فتعالى اللَّه الملك القدّوس أن يكون ذاته محلّاً لاختلاف الملكات وتغيّر الحالات ، لا يشغله شأنٌ عن شأن ، ولا يُلهيه قولٌ عن فعل ، كلّت الألسن عن تفسير صفته ، وانحسرت العقول عن كنه معرفته ؛ لكنّا لمّا شاهدنا منه آثار العلم والقدرة والحياة والرّحمة ، صحّ لنا أن نقول إنّه عالمٌ قادرٌ حيٌّ رحيم ، وحيث امتنع اختلاف منشأ الآثار فيه سبحانه للزوم التجزّي وجب أن يكون منشأ الكلّ واحداً وهو عين الذات ، وأمّا منشأيّته فكذاته لا يكيّف ، فبالكنه لا يُعرف .
وما يتخيّل أنّ العلم والقدرة مثلًا لايتصوّران إلّابعد وجود المعلوم والمقدور ، فما معنى كونه عالماً قادراً قبل وجود المعلوم والمقدور ؟ فجوابه يظهر بالتأمّل فيما مرّ . ويمكن دفعه بجواب وجدانّي هو : أنّ البصير مثلًا موضوع لمن يرى المبصرات ، والسميع لمن يسمع المسموعات ، فزيد مثلًا بصيرٌ سميعٌ وإن لم يكن هناك مبصر أو
تفريغ الفؤاد لمعرفة المبدأ والمعاد — صفحة 32
مساهمون: ميرزا أبو القاسم النراقي
ص٣٢