تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفريغ الفؤاد لمعرفة المبدأ والمعاد — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
الكفّار من أبدانهم بالشدّة ، غرقاً : أي إغراقاً في النزع ، كما يغرق النازع في القوس ، فيبلغ به غاية المدّ « 1 » . وينشطون أرواحهم أي ينزعونها ما بين الجلد والأظفار ، حتّى يخرجونها من أجوافهم بالكرب والغمّ ، ويقبضون أرواح المؤمنين يسلّونها « 2 » سلّاً رفيقاً ثمّ يدَعونها حتّى يستريح ، كالسابح بالشيء في الماء يرمي به ، فتسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنّة « 3 » . وإنّما السرّ في الرفق بالمؤمنين عند نزع الرّوح والشدّة « 4 » على الفسّاق هو أنّ الروح المجرّد العِلوي الكلّي الإلهي لمّا أفاض على عالم الأبدان بالنور البهيّ ، نصب فيها العقل حاكماً عليها ليهديها سبيل المجرّدات ، وينجيها من علائق السفليّات ، حتّى يكمل ويرجع إلى أصله كما كان على الوجه الأكمل ، فإِنّ العقل لمّا كان نتيجة الرّوح كان مطّلعاً على مقاماته ، عارفاً بطرق الوصول إليه ، وأوصى جميع الأعضاء والجوارح بالانقياد له ، وإطاعة أوامره ونواهيه ، وحذّرهم من « 5 » متابعة النفس والتسليم لها ، فإنّها تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف ، وتمنع عن الارتقاء إلى المحلّ الأعلى ، والبلوغ إلى المقصد الأقصى ، فالنفس بعد ذلك تنازع العقل في ملك البدن ، ويمدّها الشيطان بخيله ورجله . فإن طاوع القلبُ الّذي هو أمير جند البدن العقلَ وكذا جنوده ولم ينقادوا للنّفس ، أحبّها الرّوح وأحبّتها الملائكة ، فإذا انقضى الأجل وحان الحين قبضت الملائكة ودائع الروح من البدن بالرفق والمداراة بحيث لم يتألّم ، كغريمٍ يطالب دَيناً من حبيبه « إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّه ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا
هامش
( 1 ) - في « ع » المدّة ، وفي مجمع البيان « المدى » . . ( 2 ) - سلّ الشيء من الشيء : انتزعه وأخرجه برفق ( المعجم الوسيط : 1 / 447 ) . . ( 3 ) - انظر مجمع البيان : 10 / 284 - 285 . . ( 4 ) - في « ع » : وفي الشدّة . . ( 5 ) - في « ع » : عن . .