شرح
إنَّ اللَّه تعالى خلقهم وفوَّض إليهم أمر الخلق ، فهم يخلقون ويرزقون ويُميتون ويحيون .
وهذا الكلام يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يُقال إنّهم يفعلون جميع ذلك بقُدرتهم وإرادتهم ، وهم الفاعلون حقيقةً . وهذا كفر صريح دلّت على استحالته الأدلّة العقلية والنقلية ، ولا يستريب عاقل في كُفر من قال به .
وثانيهما : أنَّ اللَّه تعالى يفعل ذلك مقارناً لإرادتهم ، كشقّ القمر ، وإحياء الموتى ، وقلب العصا حيّة ، وغير ذلك من المعجزات ، فإنَّ جميع ذلك إنَّما تحصّل بقدرته تعالى مُقارناً لإرادتهم لظهور صدقهم . فلا يأبى العقل عن أن يكون اللَّه تعالى خلقهم وأكملهم وألهمهم ما يصلح في نظام العالم ، ثمَّ خلق كلَّ شيءٍ مُقارناً لإرادتهم ومشيئتهم .
وهذا وإن كان العقل لا يُعارضه كفاحاً ، لكن الأخبار تمنع من القول به فيما عدا المعجزات ظاهراً بل صراحاً ، مع أنّ القول به قول بما لا يُعلم ، إذ لم يرد ذلك في الأخبار المُعتبرة فيما نعلم .
الثاني : التفويض في أمر الدين ، وهذا أيضاً يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون اللَّه تعالى فوَّض إلى النبي والأئمة عليهم السلام عموماً أن يُحلّوا ما شاؤوا ، ويحرّموا ما شاؤوا من غير وحي وإلهام ، أو يُغيّروا ما أوحى إليهم بآرائهم .
وهذا باطلٌ لا يقول به عاقل ، فإنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينتظر الوحي أيّاماً كثيرة لجواب سائلٍ ولا يُجيبه من عنده ، وقد قال تعالى : « وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى » [ من سورة النجم 53 : الآية 3 و 4 ] .
وثانيهما : أنّه تعالى لمّا أكمل نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم بحيث لم يكن يختار من الأمور شيئاً إلّا ما يُوافق الحقّ والصواب ، ولا يحل بباله ما يُخالف مشيته تعالى في كلِّ باب ، فوَّض إليه تعيين بعض الأمور . . . إظهاراً لشرفه وكرامته عنده ، ولم يكن أصل التعيين