عُرِف أن لا مشعر له ، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له ، وبمضادته بين الأشياء عُرِف أن لا ضدّ له ، وبمقارنته بين الأمور عُرِف أن لا قرين له .
ضادّ النور بالظلمة ، والجلاية بالبُهمة ، والجو بالبلل ، والصرد بالحرور ، مؤلّفٌ بين متعادياتها ، مفرّقٌ بين متدايناتها ، دالّةٌ بتفريقها على مفرّقها ، وبتأليفها على مؤلّفها ، ذلك قوله عزّوجلّ : « ومن كلّ شيء خلقنا زوجين لعلّكم تذكّرون » « 1 » .
ففرّق بين قبل وبعد ليُعلم أن لا قبل له ولا بَعد .
شاهدة بغرائزها ، ان لا غريزة لمغرزها ، دالّةٌ بتفاوتها : أن لا تفاوت لمفاوتها ، مخبرة بتوقيتها : أن لا توقيت لموقّتها ، حجب بعضها عن بعضٍ ، ليُعلم أن لا حجاب بينه وبينها غيره .
له معنى الربوبية إذ لا مربوب ، وحقيقة الإلهيّة إذ لا مألوه ، ومعنى العالم ولا معلوم ، ومعنى الخالق ولا مخلوق ، وتأويل السمع ولا مسموع .
ليس منذ خلق استحقّ معنى اسم الخالق ، ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البارئيّة ، كيف ولا يغنيه : « مُذ » ولا تدنيه « قد » ولا يحجبه « لعلّ » ولا يوقته « متى » ولا يشتمله : « حين » ولا يفارقه « مع » ، انما اتخذ الأدوات أنفسها ، وتشير الآلة إلى نظائرها ، وفي الأشياء توجد فعالها .
منعتها « منذ » القدمة ، وحمتها « قد » الازليّة ، وجنّبتها « لولا » التكملة ، افترقت فدلّت على مفرّقها ، وتباينت فأعزّت على مباينها ، بها تجلّى صانعها للعقول وبها احتجب عن الرؤية ، واليها تحاكم الأوهام ، وفيها أثبت غيره ، ومنها أُنيطَ الدليل ، وبها عرف الإقرار ، وبالعقول يعتقد التصديق باللَّه ، وبالاقرار يكمل
هامش
( 1 ) الذاريات 49 .