بالالتزاق ، ولم يبعد عنها بالافتراق ، بل هو في الأشياء بلا كيفية ، وهو أقرب الينا من حبل الوريد ، وأبعد من الشّبَهِ من كلّ بعيد ، لم يخلق الأشياء من أصولٍ أزلية ، ولا من أوائل كانت قبله بديّة ، بل خلق ما خلق وأتقن خلقه ، وصوّر ما صوّر ، فأحسن صورته ، فسبحان من توحّد في علوّه ، فليس لشي منه امتناع ، لا له بطاعة أحدٍ من خلقه انتفاع ، اجابته للدّاعين سريعةٌ ، والملائكة له في السّماوات والأرض مطيعة ، كلّم موسى تكليماً بلا جوارح وأدوات ولا شفةٍ ولا لهوات ، سبحانه وتعالى عن الصّفات ، فمن زعم أنّ إله الخلق محدود ، فقد جهل الخالق المعبود - / والخطبة طويلة أخذنا منها موضع الحاجة . « 1 »
( 17 ) عن علي بن موسى الرضا ، عن أبيه موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن مُحَمَّد ، عن أبيه مُحَمَّد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي عليهم السلام ، قال : خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس في مسجد الكوفة ، فقال :
الحمد للَّهالذي لا من شيء كان ، ولا من شيء كوّن ما قد كان ، مستشهدٍ بحدوث الأشياء على أزليّته ، وبما وسمها به من العجز على قدرته ، وبما اضطرّها اليه من الفناء على دوامه ، لم يَخلُ منه مكان فيُدرَك بأينيّة ، ولا له شبه مثال فيوصف بكيفيّةٍ ، ولم يغب عن علمه شيء فيعلم بحيثيّته ، مباينٌ لجميع ما أحدث في الصفات ، وممتنعٌ عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات ، وخارجٌ بالكبرياء والعظمة من جميع تصرّف الحالات ، محرّمٌ على بوارع ثاقبات الفطن تحديده ، وعلى عوامق ناقيات الفكر تكييفه ، وعلى غوائص سايحات الفِطَر تصويره ، لا تحويه الأماكن لعظمته ، ولا تُذرَعه المقادير لجلاله ، ولا تقطعه المقائيس لكبريائه ، ممتنعٌ عن الأوهام أن تكتنهه ، وعن الافهام أن تستغرقه ، وعن الأذهان أن تمثّله ، قد يئست من استنباط الإحاطة به طوائح العقول ، ونضيت عن الإشارة اليه بالاكتناه بحار العلوم ، ورجعت بالصغر عن السموّ إلى
هامش
( 1 ) التوحيد 34 : 77 .