الدكّة الشرقيّة المقابلة للباب الأوّل تكون على الطرف الأيسر عند دخول المسجد ، ولا أتمكّن الدخول في المسجد من جهة سُعال الدم ، ولا يمكن قذفه في المسجد وليس معي شيءٌ أتّقي فيه عن البرد ، وقد ضاق صدري واشتدّ عَلَيّ همّي وغمّي ، وضاقت الدنيا في عيني ، وأُفكّر أنّ الليالي قد انقضت ، وهذه آخرها ، وما رأيت أحداً ولا ظهر لي شيء ، وقد تعبت هذا التعب العظيم ، وتحمّلت المشاقّ والخوف في أربعين ليلة ، أجيء فيها من النجف إلى مسجد الكوفة ، ويكون لي الأياس من ذلك .
فبينما أنا أُفكّر في ذلك ، وليس في المسجد أحدٌ أبداً وقد أوقدتُ ناراً لأُسخّن عليها قهوة جئتُ بها من النجف ، لا أتمكّن من تركها لتعوّدي بها ، وكانت قليلة جدّاً ، إذا بشخص من جهة الباب الأوّل متوجّهاً إليّ ، فلمّا نظرته من بعيد تكدّرت وقلت في نفسي : هذا أعرابيّ من أطراف المسجد قد جاء إليّ ليشرب من القهوة ، وأبقى بلا قهوة في هذا الليل المظلم ، ويزيد عَلَيّ همّي وغَمّي .
فبينما أنا أُفكّر إذا به قد وصل إليّ وسَلَّم عَلَيّ باسمي وجلس في مقابلي ، فتعجّبت من معرفته باسمي ، وظننته من الذين أخرج إليهم في بعض الأوقات من أطراف النجف الأشرف ، فصرتُ أسأله من أيّ العرب يكون ؟ قال : من بعض العرب ، فصرت أذكر له الطوائف التي في أطراف النجف ، فيقول : لا لا ، وكلّما ذكرت له طائفة قال : لا لست منها .
فأغضبني وقلت له : أجل أنت من طُريطرة مستهزءاً وهو لفظٌ بلا معنى ، فتبسّم من قولي ذلك ، وقال : لا عليك من أينما كنت ، ما الذي جاءَ بك إلى هنا ؟ فقلتُ :
وأنت ما عليك السؤال عن هذه الأُمور ؟ فقال : ما ضَرّك لو أخبرتني ، فتعجّبت من
توقيعات الناحية المقدسة — صفحة 354
مساهمون: سعيد أبو معاش
ص٣٥٤