وثانيها : هي المراد بقوله :
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ
فإن الذكر بالقلب ليس إلا المعرفة .
وثالثها : الخدمة وهي المراد بقوله :
فَصَلَّى
فإن الصلاة عبارة عن التواضع والخشوع فمن استنار قلبه بمعرفة جلال اللّه تعالى وكبريائه ، لا بد وأن يظهر في جوارحه وأعضائه أثر الخضوع والخشوع .
وثانيها : قال قوم من المفسرين قوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
يعني من تصدق قبل مروره إلى العيد :
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى
يعني
ثم صلى صلاة العيد بعد ذلك مع الإمام . وهذا قول عكرمة وأبي العالية وابن سيرين وابن عمر وروي ذلك مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ،
وهذا التفسير فيه إشكال من وجهين الأول : أن عادة اللّه تعالى في القرآن تقديم ذكر الصلاة على ذكر الزكاة لا تقديم الزكاة على الصلاة والثاني : قال الثعلبي : هذه السورة مكية بالإجماع ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر . أجاب الواحدي عنه بأنه لا يمتنع أن يقال : لما كان في معلوم اللّه تعالى أن ذلك سيكون أثنى على من فعل ذلك وثالثها : قال مقاتل :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
[ الأعلى :
14 ] أي تصدق من ماله وذكر ربه بالتوحيد في الصلاة فصلى له ، والفرق بين هذا الوجه وما قبله أن هذا يتناول الزكاة والصلاة المفروضتين ، والوجه الأول ليس كذلك ورابعها :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
ليس المراد منه زكاة المال بل زكاة الأعمال أي من تطهر في أعماله من الرياء والتقصير ، لأن اللفظ المعتاد أن يقال : في المال زكى ولا يقال تزكى قال تعالى :
وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ
[ فاطر : 18 ] ، وخامسها : قال ابن عباس :
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ
أي كبر في خروجه إلى العيد وصلى صلاة العيد وسادسها : المعنى وذكر اسم ربه في صلاته ولا تكون صلاته كصلاة المنافقين حيث يراءون الناس ولا يذكرون اللّه إلا قليلا .
المسألة الثانية : الفقهاء احتجوا بهذه الآية على وجوب تكبيرة الافتتاح ، واحتج أبو حنيفة رحمه اللّه بها على أن تكبيرة الافتتاح ليست من الصلاة ، قال : لأن الصلاة معطوفة عليها والعطف يستدعي المغايرة ، واحتج أيضا بهذه الآية على أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه وأجاب أصحابنا بأن تقدير الآية ، وصلى فذكر اسم ربه ولا فرق بين أن تقول أكرمتني فزرتني وبين أن تقول زرتني فأكرمتني ، ولأبي حنيفة أن يقول : ترك العمل بفاء التعقيب لا يجوز من غير دليل والأولى في الجواب أن يقال : الآية تدل على مدح كل من ذكر اسم اللّه فصلى عقيبه وليس في الآية بيان أن ذلك الذكر هو تكبيرة الافتتاح . فلعل المراد به أن من ذكر اللّه بقلبه وذكر ثوابه وعقابه دعاه ذلك إلى فعل الصلاة ، فحينئذ يأتي بالصلاة التي أحد أجزائها التكبير ، وحينئذ يندفع الاستدلال . ثم قال تعالى :
[ سورة الأعلى ( 87 ) : آية 16 ]
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 )
وفيه قراءتان : قراءة العامة بالتاء ويؤكده حرف أبي ، أي بل أنتم تؤثرون عمل الدنيا على عمل الآخرة . قال ابن مسعود : إن الدنيا أحضرت ، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها ، وإن الآخرة لغيب لنا وزويت عنا ، فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل . وقرأ أبو عمرو : يؤثرون بالياء يعني الأشقى . ثم قال تعالى :
[ سورة الأعلى ( 87 ) : آية 17 ]
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 17 )
وتمامه أن كل ما كان خيرا وأبقى فهو آثر ، فيلزم أن تكون الآخرة آثر من الدنيا وهم كانوا يؤثرون الدنيا ،