تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
وإنما قلنا : إن الآخرة خير لوجوه أحدها : أن الآخرة مشتملة على السعادة الجسمانية والروحانية ، والدنيا ليست كذلك ، فالآخرة خير من الدنيا وثانيها : أن الدنيا لذاتها مخلوطة بالآلام ، والآخرة ليست كذلك وثالثها : أن الدنيا فانية ، والآخرة باقية ، والباقي خير من الفاني . ثم قال :

[ سورة الأعلى ( 87 ) : آية 18 ]

إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 18 ) واختلفوا في المشار إليه بلفظ ( هذا ) منهم من قال : جميع السورة ، وذلك لأن السورة مشتملة على التوحيد والنبوة والوعيد على الكفر باللّه ، والوعد على طاعة اللّه تعالى . ومنهم من قال : بل المشار إليه بهذه الإشارة هو من قوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
[ الأعلى : 14 ] إشارة إلى تطهير النفس عن كل ما لا ينبغي . أما القوة النظرية فعن جميع العقائد الفاسدة ، وأما في القوة العملية فعن جميع الأخلاق الذمية . وأما قوله :
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ
[ الأعلى : 15 ] فهو إشارة إلى تكميل الروح بمعرفة اللّه تعالى ، وأما قوله :
فَصَلَّى
[ الأعلى : 15 ] فهو إشارة إلى تكميل الجوارح وتزيينها بطاعة اللّه تعالى . وأما قوله :
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا
[ الأعلى : 16 ] فهو إشارة إلى الزجر عن الالتفات إلى الدنيا . وأما قوله :
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
[ الأعلى : 17 ] فهو إشارة إلى الترغيب في الآخرة وفي ثواب اللّه تعالى ، وهذه أمور لا يجوز أن تختلف باختلاف الشرائع ، فلهذا السبب قال :
إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى
وهذا الوجه كما تأكد بالعقل فالخبر يدل عليه ، روى عن أبي ذر أنه قال : قلت هل في الدنيا مما في صحف إبراهيم وموسى ؟ فقال : اقرأ يا أبا ذر
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
[ الأعلى : 14 ] وقال آخرون : إن قوله ( هذا ) إشارة إلى قوله :
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
وذلك لأن الإشارة راجعة إلى أقرب المذكورات وذلك هو هذه الآية ، وأما قوله :
لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى
فهو نظير لقوله :
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ
[ الشعراء : 196 ] وقوله :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
[ الشورى : 13 ] . وقوله تعالى :

[ سورة الأعلى ( 87 ) : آية 19 ]

صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ( 19 ) فيه قولان : أحدهما : أنه بيان لقوله :
لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى
[ الأعلى : 18 ] والثاني : أن المراد أنه مذكور في صحف جميع الأنبياء التي منها صحف إبراهيم وموسى ، روي عن أبي ذر أنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كم أنزل اللّه من كتاب ؟ فقال : مائة وأربعة كتب ، على آدم عشر صحف وعلى شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، وقيل : إن في صحف إبراهيم : ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 137 | فخر الدين الرازي